أقدمت السلطات الأمنية في تونس على اعتقال المعارضة ألفة الحامدي فور وصولها إلى المطار، في خطوة تتماشى مع سلسلة من الملاحقات التي تستهدف السياسيين والنشطاء والصحفيين منذ تولي الرئيس قيس سعيّد سلطات واسعة عام 2021.
وكانت ألفة الحامدي، رئيسة حزب الجمهورية الثالثة، قد انتقدت سياسات سعيد بشكل متكرر ودعت إلى تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. فيما يأتي توقيفها تم دون إعلان تهم واضحة أو إخضاعها لإجراءات قضائية شفافة، وهو ما يعكس استخدام الأجهزة الأمنية كأداة لإسكات المعارضين السياسيين بدل احترام القانون وحقوق المواطنين.
وتنتهك هذه الممارسات الحقوق الأساسية المكفولة في القانون الدولي، بما في ذلك الحق في حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية، كما تنتهك مبادئ المحاكمة العادلة، التي تتطلب إعلان التهم وتمكين المحتجز من التواصل مع محامٍ وأسرته بشكل فوري.
وتشكل الاعتقالات المستمرة لقادة المعارضة والنشطاء والصحفيين نمطا ممنهجا يهدف إلى تقييد المجال السياسي وإخضاعه للسلطة التنفيذية، وتحويل القضاء إلى أداة في خدمة السلطة بدل أن يكون مؤسسة مستقلة تضمن حماية الحقوق.
ويقوض هذا النهج التعددية السياسية ويضع الحياة السياسية في خطر، ويؤكد أن أي نقد للسلطة يمكن أن يُقابل بإجراءات أمنية وقضائية تعسفية، بدل التعامل معه عبر الحوار أو الوسائل القانونية الديمقراطية.
ويعكس ما يحدث اليوم تحولا مقلقا في العلاقة بين الدولة والمجال العام؛ إذ لم يعد النقد السياسي يُقابل بالرد السياسي أو بالحوار الديمقراطي، بل بإجراءات أمنية وقضائية تضع المعارضين تحت سيف الملاحقة. وحين يُزج بالسياسيين والناشطين والصحفيين في السجون أو تحت التهديد المستمر؛ فإن ذلك لا يهدد أفرادا بعينهم فحسب، بل يهدد بنية الحياة السياسية ذاتها، ويقوّض الثقة في مؤسسات الدولة ويضعف فكرة التداول السلمي للسلطة.
وفي السياق ذاته؛ فإن تكرار هذه الإجراءات يشي بوجود سياسة ممنهجة لا تستهدف حماية القانون بقدر ما تستهدف تحييد المعارضين وإخضاع المجال العام، وهو مسار يضع البلاد أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بالقيم الدستورية والالتزامات الدولية التي تعهدت بها.


























