في الخامس من أبريل/نيسان، الذي يصادف اليوم الوطني للطفل الفلسطيني، تواصل إسرائيل إبادتها الجماعية ضد سكان قطاع غزة، بحرمان الأطفال من أبسط حقوقهم الأساسية. فمع دخول الحرب شهرها الثامن عشر، تحولت حياة الأطفال إلى كابوس دائم من القتل والدمار والتشريد والتجويع.
بينما يبدأ أطفال العالم يومهم الدراسي بحمل حقائبهم إلى المدارس، يستيقظ أطفال غزة على أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار، في مشهد يومي يتكرر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، أصبح عشرات الآلاف منهم يجمعون حاجياتهم لا استعدادًا للمدرسة، بل تمهيدًا لتهجير جديد بفعل الإنذارات الإسرائيلية.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن الأطفال يشكلون نسبة كبيرة من الضحايا، إذ تؤكد البيانات الرسمية أن النساء والأطفال يمثلون ما يزيد على 60% من إجمالي القتلى. ووفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 43% من سكان فلسطين البالغ عددهم 5.5 ملايين نسمة هم أطفال دون سن 18 عامًا، منهم 2.1 مليون طفل في قطاع غزة وحده.
القتل الممنهج للأطفال في غزة
استهدفت الإبادة الإسرائيلية الأطفال بمختلف مراحلهم العمرية، بدءًا من الأجنة في أرحام أمهاتهم وحتى المراهقين الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة. ووفقًا لإحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد قتل الاحتلال نحو 17,954 طفلاً منذ بدء الحرب.
أما منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، فأشارت في تقرير صدر مطلع أبريل/نيسان الجاري إلى أن 322 طفلاً قتلوا وأصيب 609 آخرون منذ استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية بعد خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار في 18 مارس/آذار الماضي.
وفي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اقتحم الجيش الإسرائيلي مستشفى “النصر” للأطفال في غزة، مجبرًا الطواقم الطبية على المغادرة ورافضًا نقل الأطفال الخدج، ما أدى إلى وفاة 5 أطفال رضع نتيجة انقطاع الرعاية الصحية عنهم. وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية، عُثر على جثثهم متحللة داخل الحضانات، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.
وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد قُتل 274 رضيعًا ولدوا وماتوا تحت القصف الإسرائيلي، فيما قتل نحو 876 طفلًا لم يكملوا عامهم الأول خلال الحرب.
الإبادة عبر الحرمان من الحقوق الأساسية
إلى جانب عمليات القتل المباشر، استخدم الاحتلال الإسرائيلي التجويع والحرمان من الحقوق الأساسية كأداة قتل جماعي، فقد تعمد الاحتلال منع وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية، ما أدى إلى وفاة 52 طفلًا بسبب الجوع وسوء التغذية.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن 3,500 طفل يواجهون خطر الموت جوعًا بسبب نقص الغذاء الحاد.
كما دمر الاحتلال البنية التحتية في القطاع، حيث بلغت نسبة تدمير المنازل 88%، ما أدى إلى تشريد مئات الآلاف في العراء.
ومع منع الاحتلال دخول الخيام والكرفانات؛ توفي 17 طفلًا نتيجة البرد القارس في فصل الشتاء.
التشويه الجسدي والنفسي لأطفال غزة
مع تصاعد الهجمات، تحول قطاع غزة إلى منطقة تعجّ بالأطفال مبتوري الأطراف.
وصرّح المفوض العام لـ”أونروا” فيليب لازاريني في ديسمبر/كانون الأول 2024 بأن القطاع يشهد “جائحة إعاقة”، حيث فقد العديد من الأطفال أطرافهم نتيجة القصف، وخضع بعضهم لعمليات بتر دون تخدير بسبب نقص الإمكانيات الطبية.
وأظهرت بيانات رسمية أن 4,700 فلسطيني تعرضوا للبتر نتيجة الحرب، 18% منهم أطفال.
أطفال بلا عائلات.. جيل بأكمله يواجه المجهول
الحرب الإسرائيلية على غزة لم تترك الأطفال فقط في العراء، بل حرمت عشرات الآلاف منهم من آبائهم وأمهاتهم.
ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 39,384 طفلًا فقدوا أحد الوالدين أو كليهما خلال الإبادة الجماعية، من بينهم 17,000 طفل تيتموا بالكامل.
ويعيش هؤلاء الأطفال في بيئة قاسية تفتقر إلى الرعاية الاجتماعية والدعم النفسي، ما دفع بعضهم إلى الانخراط في عمالة الأطفال لتحصيل لقمة العيش.
وفي هذا السياق؛ صرّح مدير اتصالات اليونيسف في الأراضي الفلسطينية جوناثان كريكس أن “لكل طفل من هؤلاء قصة مفجعة”، مؤكداً أن الأطفال الذين انفصلوا عن عائلاتهم يواجهون صدمة نفسية عميقة ومستقبلًا مجهولًا.
الأثر النفسي المدمر على أطفال غزة
تسببت الحرب في تداعيات نفسية خطيرة على الأطفال، حيث حذرت منظمة “يونيسف” في 16 مارس/آذار الماضي من أن أطفال فلسطين يعيشون في خوف وقلق شديدين بسبب انعدام الأمن الغذائي وانتهاك حقوقهم الأساسية.
أما توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فقد أكد في 24 يناير/كانون الثاني أن مليون طفل فلسطيني في غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، بسبب انتشار الاكتئاب والقلق وأفكار الانتحار بينهم نتيجة الإبادة الجماعية.
وأشار إلى أن الأطفال في غزة يُتركون دون رعاية صحية أو تعليمية، وأن جيلًا كاملًا يعاني من صدمة نفسية قد تلازمه مدى الحياة.
جرائم إبادة مستمرة بدعم أمريكي مطلق
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبدعم أمريكي غير مشروط، تواصل إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، مخلفة أكثر من 165,000 قتيل وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى 11,000 مفقود يُعتقد أنهم مدفونون تحت الأنقاض أو محتجزون في أماكن مجهولة.
ورغم المطالبات الدولية بوقف هذه الجرائم، يستمر الاحتلال الإسرائيلي في انتهاك كافة القوانين الدولية التي تحمي حقوق الأطفال، بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي تنص على ضرورة حماية الأطفال من العنف، وتأمين حقهم في الحياة والصحة والتعليم.
وفي ظل هذه الأوضاع، لم يعد أطفال غزة مجرد ضحايا لحرب وحشية، بل أصبحوا شهودًا على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.