تشهد مصر مشهداً حقوقياً أكثر قتامة بعد إحالة الناشط السياسي أنس حبيب و49 مواطناً آخرين إلى محكمة الجنايات، في قضية جديدة تعكس اتساع الاعتماد على الأدوات القضائية لتقييد النشاط المدني وملاحقة المعارضين.
ولم تقدم القضية التي حملت رقم 1282 لسنة 2024 بوصفها واقعة جنائية واضحة، بل جاءت في سياق يتكرر فيه استخدام اتهامات سياسية مطاطة لتجريم التعبير العلني عن الرأي، خاصة حين يصدر خارج إطار الرقابة الداخلية.
ورغم أن الاتهامات تتعلق بـ”القيادة” و”التمويل” و”تشكيل جماعة على خلاف القانون”، إلا أن طبيعة نشاط أنس حبيب – القائم على بث مواد نقدية عبر الإنترنت وتنفيذ احتجاجات رمزية أمام السفارات – تُظهر أن جوهر القضية مرتبط بمحاولة الحد من تأثيره الرقمي، وليس بممارسات عنيفة أو تحريضية، الأمر لا يقتصر على المحالين مباشرة، بل يمتد إلى ذويهم، وهو مؤشر بالغ الخطورة؛ إذ تحوّل توقيف خاله مختار طايل ثم ابنه لاحقاً إلى جزء من المشهد، في تكريس لنمط يهدد مبدأ المسؤولية الفردية ويحوّل الإجراءات القانونية إلى وسيلة ضغط عائلية.
وتأتي هذه التطورات في سياق عام يتسم بتراجع معايير المحاكمة العادلة، حيث يُحال عشرات المتهمين دون إعلان واضح لجلسات المحاكمة، ودون تمكينهم الكامل من حقوق الدفاع، ما يفرض تساؤلات جدية حول مدى استقلالية التحقيقات وحقيقة الأدلة المقدَّمة، خصوصاً مع تكرار اللجوء إلى جهاز أمن الدولة واتهامات الانضمام إلى كيانات غير معروفة أو غير محددة المعالم.
ويزيد الامتداد الخارجي للقضية المشهد تعقيداً، فاحتجاز حبيب وشقيقه في بروكسل خلال زيارة رسمية للرئيس المصري، وما رافقه من محاولات في هولندا لتقييد اقترابه من السفارة، يكشف عن مسار يتجاوز الحدود الجغرافية، ويتعامل مع المعارضة السلمية في الخارج بوصفها تهديداً أمنياً يستدعي الملاحقة أينما ظهرت. وهذه النزعة العابرة للحدود، حين تُقرَن بإجراءات داخلية تطال الأقارب، ترسم صورة لأسلوب ممنهج يُجرّم الفعل الاحتجاجي حتى إن كان رمزياً وسلمياً.
وتمثل هذه القضية علامة واضحة على استمرار تآكل الحريات العامة في مصر، وتراجع مساحة النقاش السياسي لصالح معالجات أمنية تُضيّق على النشطاء وعلى أي نشاط عام لا يتوافق مع الخط الرسمي.
وفي ظل غياب ضمانات المحاكمة العلنية، واستمرار الحبس الاحتياطي في قضايا متداخلة؛ تبدو الرسالة الموجهة للفاعلين في المجال العام أكثر صراحة من أي وقت مضى، وهي أن الانتقاد أينما كان مصدره، قد يضع صاحبه ومن حوله في دائرة الاستهداف!





























