تتواصل في القدس المحتلة اعتداءات المستوطنين على المقدسات والمواطنين الفلسطينيين، في مشهد يعكس تصعيداً خطيراً في استهداف الهوية الدينية والتاريخية للمدينة، ويفضح تغوّل منظومة الاحتلال التي توفر الغطاء والحماية لهذه الانتهاكات.
وفي أحدث حلقات هذا التصعيد؛ طالت الاعتداءات كنيسة تاريخية في عين كارم، فيما قُتل شاب فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص مستوطنين في قرية مخماس شمال شرق القدس.
وفي التفاصيل؛ اقتحم مستوطنون كنيسة الزيارة في قرية عين كارم المهجّرة، وكتبوا شعارات عنصرية على جدرانها وعلى مركبات قرب الموقع، في اعتداء سافر على مكان ديني مسيحي ذي رمزية تاريخية وروحية.
ويأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة متكررة من الاعتداءات التي تستهدف الكنائس والمساجد والمقامات الدينية في القدس، في إطار محاولة فرض واقع استيطاني قسري يهدد الطابع المتعدد والديني للمدينة.
ويمثل استهداف أماكن العبادة انتهاكاً صارخاً لحرية الدين والمعتقد، واعتداءً مباشراً على الممتلكات الثقافية والدينية المحمية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تلزم قوة الاحتلال باحترام وصون المواقع الدينية وعدم تعريضها للتخريب أو التدنيس. غير أن ما يجري على الأرض يكشف استخفافاً واضحاً بهذه الالتزامات، ويعكس مناخاً من الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجرائم.
وفي السياق ذاته؛ أعلنت وزارة الصحة مقتل الشاب نصر الله محمد جمال أبو صيام (19 عاماً) متأثراً بإصابته خلال هجوم شنه مستوطنون على قرية مخماس.
وكان الهجوم قد أسفر عن إصابة خمسة فلسطينيين، ثلاثة منهم بالرصاص الحي، في اعتداء تخلله إطلاق نار وسرقة عشرات رؤوس الأغنام، في صورة فاضحة لاعتداء مسلح يستهدف الأرواح والممتلكات وسبل العيش.
وبمقتل أبو صيام؛ يرتفع عدد القتلى برصاص المستوطنين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 37، في ظل تصاعد غير مسبوق لهجمات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية.
وتشير الوقائع الميدانية إلى نمط متكرر من الاعتداءات التي تُنفذ تحت حماية قوات الاحتلال أو بتواطؤها، ما يرسّخ واقعاً من العنف المنظم ضد المدنيين الفلسطينيين.
وتتعرض قرية مخماس وتجمع “خلة السدرة” البدوي القريب منها لهجمات متكررة تشمل إطلاق الرصاص، وتخريب وإحراق مساكن وحظائر، وتدمير ألواح الطاقة الشمسية وكاميرات المراقبة، والاستيلاء على ممتلكات خاصة.
ويقطن تجمع “خلة السدرة” 16 أسرة تضم 59 فرداً، نصفهم تقريباً من الأطفال، ويعتمدون على تربية المواشي كمصدر رئيسي للعيش، ما يجعل سرقة الأغنام وتدمير الحظائر اعتداءً مباشراً على حقهم في سبل الرزق والحياة الكريمة.
قانونياً؛ تُحمّل قواعد القانون الدولي قوة الاحتلال مسؤولية حماية السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرتها، ومنع اعتداءات الأفراد أو الجماعات المسلحة عليهم. كما تحظر بشكل قاطع الاعتداء على الممتلكات الخاصة أو نهبها، وتجرّم الهجمات المتعمدة ضد المدنيين.
غير أن تكرار هذه الجرائم، سواء بحق دور العبادة أو بحق القرى والتجمعات البدوية، يكشف خللاً بنيوياً في منظومة المساءلة، ويعزز بيئة تسمح باستمرار العنف دون رادع.
وتمثل استهداف كنيسة في القدس، وقتل شاب في مخماس، والاعتداء على تجمعات بدوية ضعيفة، ليست أحداثاً منفصلة، حلقة في سلسلة انتهاكات تضرب عرض الحائط بالحقوق الأساسية للفلسطينيين، وتقوّض الحماية المفترضة للأماكن المقدسة والمدنيين على حد سواء، في ظل واقع احتلال يمعن في فرض هيمنته بالقوة.

























