في ظل أجواء شهر رمضان التي يفترض أن تتسم بحرية العبادة والسكينة الدينية؛ تتجدد في مدينة القدس المحتلة مظاهر التوتر المرتبطة بالوصول إلى المسجد الأقصى، وسط إجراءات أمنية مشددة واستمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد، ما يطرح أبعاداً حقوقية وقانونية تتجاوز البعد الأمني إلى مسألة الحريات الدينية، وحق السكان الواقعين تحت الاحتلال في ممارسة شعائرهم دون قيود.
وتتواصل اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى خلال شهر رمضان، رغم خصوصية الشهر لدى المسلمين، حيث مددت شرطة الاحتلال فترة الاقتحامات الصباحية ساعة إضافية، في حين ألغت الاقتحامات بعد صلاة الظهر.
ووفق منشورات متداولة لجماعات استيطانية على منصات التواصل الاجتماعي؛ فإن مدة الاقتحامات في رمضان ستصل إلى خمس ساعات يومياً باستثناء يومي الجمعة والسبت، ما بين الساعة السادسة والنصف والحادية عشرة والنصف صباحاً بتوقيت القدس.
وقبل حلول رمضان؛ كانت الاقتحامات تُنظَّم على فترتين؛ صباحية من السابعة حتى الحادية عشرة، وأخرى بعد صلاة الظهر من الثانية عشرة والنصف حتى الثانية ظهراً، بينما جرت العادة خلال الأعوام السابقة على إيقاف الاقتحامات في النصف الثاني من اليوم وأيام العشر الأواخر من الشهر.
وشهد المسجد الأقصى، اليوم الأربعاء، اقتحام عدد من المستوطنين عبر باب المغاربة في الجدار الغربي للمسجد، في مشهد يتكرر بشكل دوري منذ مطلع الألفية، إذ تعود بداية هذه الاقتحامات إلى عام 2003 بقرار من شرطة الاحتلال، رغم اعتراضات الجهات الدينية المسؤولة عن إدارة شؤون المسجد ومطالباتها بوقفها.
وفي المقابل؛ لم تعلن شرطة الاحتلال عن قيود عمرية رسمية على دخول المصلين من القدس أو من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، كما لم تعلن عن تسهيلات تذكر لوصول المصلين من الضفة الغربية، في وقت تشير فيه معطيات ميدانية إلى استمرار القيود المشددة على حركة الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأعلنت سلطات الاحتلال، بالتزامن مع أول أيام رمضان، رفع حالة التأهب الأمني في الضفة الغربية بما فيها القدس، مع تركيز خاص على المدينة ومحيطها، إضافة إلى ما يُعرف بخط التماس. كما طُرحت توصيات بفرض حصص عددية وقيود عمرية على دخول المصلين من الضفة خلال أيام الجمعة، استناداً إلى تقديرات بوصول أعداد كبيرة لأداء الصلاة في الحرم القدسي.
وخلال الأسابيع التي سبقت رمضان، تصاعدت حملات الاعتقال وقرارات الإبعاد في القدس، في سياق إجراءات وقائية تعلنها سلطات الاحتلال سنوياً قبيل المواسم الدينية، إلا أن اتساع نطاقها يؤكد عدم توافقها مع معايير الضرورة والتناسب في القانون الدولي.
ويُعد الحق في حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة من الحقوق الأساسية المكفولة في المواثيق الدولية، كما أن القانون الدولي الإنساني يلزم سلطة الاحتلال باحترام الحياة الدينية والثقافية للسكان الواقعين تحت الاحتلال وعدم اتخاذ تدابير جماعية تمس حقوقهم المدنية.
كذلك؛ فإن تغيير أنماط الوصول إلى أماكن العبادة أو فرض قيود واسعة النطاق دون مبررات فردية واضحة يُنظر إليه بوصفه إجراءً قد يرقى إلى تقييد غير مبرر للحقوق الدينية.
وفي السياق القانوني الدولي؛ لا يُعترف بضم القدس الشرقية أو بأي تغييرات أحادية في وضعها القانوني، وتُعد المدينة أرضاً محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة، ما يجعل أي إجراءات تمس طابعها الديني أو الديمغرافي أو الإداري محل تدقيق قانوني مستمر.
كما أن حماية الممتلكات الدينية والأماكن المقدسة تندرج ضمن التزامات عامة في أوقات النزاع، بما يشمل منع الاعتداءات أو الاستخدامات التي قد تخل بطبيعتها أو تحول دون وصول المؤمنين إليها.
ويتمسك الفلسطينيون بالقدس المحتلة عاصمةً لدولتهم المأمولة استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية، في حين تتواصل على الأرض سياسات ذات أثر مباشر على الحقوق اليومية للسكان، بما في ذلك حرية الحركة والعبادة والتجمع السلمي، وهي حقوق تبقى محوراً رئيسياً في أي نقاش قانوني أو حقوقي يتعلق بوضع المدينة ومستقبلها.


























