أوقفت عناصر من الشرطة التونسية، مساء الأربعاء، النائب في البرلمان أحمد السعيداني، واقتادته إلى جهة غير معلومة، بعد مداهمة مقهى في جهة ماطر من محافظة بنزرت، وفق ما أفاد به مرافقه الذي أكد أن عناصر بزي مدني قامت باحتجازه ومصادرة هاتفه، إضافة إلى تسجيلات كاميرات المقهى.
وتمت العملية بصورة مباغتة، ومن دون وضوح فوري بشأن الجهة التي اقتادته أو مبررات الإيقاف التفصيلية، ما يعكس نمطاً متكرراً في التعاطي الأمني مع المعارضين والمنتقدين.
وتشير المعطيات إلى أن الإيقاف جاء بسبب تدوينة نشرها السعيداني على صفحته في “فيسبوك” استخدم فيها أسلوب السخرية اللاذعة في انتقاد الرئيس قيس سعيّد على خلفية جولاته الميدانية بعد الفيضانات الأخيرة. أي أن السبب المباشر ليس جريمة عنف، ولا شبهة فساد، بل تعبير سياسي ساخر موجّه إلى رأس السلطة التنفيذية.
ولا يمكن فصل هذا النوع من التتبعات عن مناخ سياسي آخذ في الانغلاق، حيث بات النقد العلني للسلطة محفوفاً بمخاطر قانونية وأمنية، وباتت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة مراقَبة أكثر منها ساحة حرة للنقاش العام.
ويمثل توقيف نائب منتخب بسبب تعبير سلمي – إن كان ساخراً أو قاسياً – اعتداءً مباشراً على جوهر حرية التعبير، تُعد حجر الأساس لأي نظام يدّعي احترام الديمقراطية. فالسخرية السياسية ليست جريمة، بل أداة تقليدية من أدوات الرقابة الشعبية على السلطة، وتجريمها يعني عملياً تجريم النقد نفسه.
كما أن ملاحقة نائب برلماني على خلفية آرائه تضرب مبدأ الحصانة البرلمانية في الصميم، والتي نشأت لحماية وظيفة النائب في تمثيل ناخبيه والتعبير عن مواقفهم من دون خوف من الانتقام السياسي أو القضائي.
وتثير الإجراءات التي صاحبت عملية الإيقاف – من مداهمة مفاجئة، ومصادرة أجهزة شخصية، وحجز تسجيلات كاميرات – إشكاليات خطيرة تتعلق بالخصوصية وبالتوسع غير المتناسب في استخدام السلطة. فبدلاً من اللجوء إلى استدعاء رسمي أو مسار قضائي واضح وشفاف؛ يُصار إلى استعراض أمني يوصل رسالة ردع لا تخطئها العين؛ النقد قد يقود إلى التوقيف.
ويعكس المشهد برمّته خللاً عميقاً في ميزان العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث تتحول المؤسسات المفترض أن تحمي الحقوق إلى أدوات ضغط عليها. وعندما يُستخدم القضاء كوسيلة لإسكات المعارضين بدلاً من كونه ضامناً للعدالة، فإن الثقة العامة في القانون تتآكل، ويغدو المجال العام ساحة خوف لا ساحة نقاش.
وفي مثل هذه الوقائع؛ لا يكون الخطر في حادثة فردية بحد ذاتها، بل في تكريس سابقة مفادها أن الرأي قد يُواجَه بالأصفاد، وأن السخرية قد تُعامَل كجريمة. وهذا مسار يقود حتماً إلى مزيد من الانكماش السياسي وتآكل الحريات، مهما حاولت السلطة تغليفه بخطاب “تطبيق القانون” أو “حماية هيبة الدولة”.

























