في خطوة تعكس استمرار نهج التضييق على حرية التعبير في تونس؛ أوقفت السلطات النائب السابق والأديب عبد اللطيف العلوي، في قضية تعود إلى انتقادات وجّهها قبل سنوات للرئيس قيس سعيّد وللمؤسسة العسكرية.
وأعاد الإيقاف الذي لم يصدر بشأنه توضيح رسمي فوري، إلى الواجهة ما يُعرف إعلامياً بـ”قضية القصيدة”، وأثار تساؤلات متجددة حول حدود حرية الرأي واستخدام القضاء في تصفية الحسابات السياسية.
وتعود أطوار القضية إلى ظهور العلوي رفقة الإعلامي عامر عياد في برنامج تلفزيوني على قناة “الزيتونة” وجّها خلاله انتقادات حادة للرئيس والجيش التونسي.
وأعقب ذلك توجيه تهم ثقيلة من قبيل “التآمر على أمن الدولة” و”ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة” و”المس من كرامة الجيش الوطني وسمعته”. ورغم محاكمتهما في حالة سراح في البداية، صدر لاحقاً حكم بسجن عياد شهرين والعلوي شهراً، قبل أن يُعاد توقيف الأخير لتنفيذ المدة المتبقية.
وتثير هذه القضية إشكاليات جوهرية تتعلق بجوهر حرية التعبير وحدود السلطة في تقييدها. فالمعايير الدولية المستقرة تعتبر أن النقد السياسي – إن كان لاذعاً أو صادماً – يدخل في صميم الحق في التعبير، ولا يجوز تجريمه إلا في حالات ضيقة للغاية تتصل بالتحريض المباشر على العنف أو الكراهية.
أما تحويل عبارات فضفاضة مثل “هيبة الدولة” أو “كرامة المؤسسة العسكرية” إلى أدوات للزجّ بالمعارضين في السجون، فيُعد انحرافاً خطيراً عن فلسفة القانون التي يفترض أن تحمي المواطن من تعسف السلطة لا أن تحمي السلطة من كلمات مواطنيها.
كما أن إحياء ملفات قديمة مرتبطة بتصريحات إعلامية، بعد مرور سنوات على صدورها، يطرح شبهة الانتقائية في إنفاذ القانون، ويعزز الانطباع بأن القضاء يُستدعى حين تقتضي الحاجة السياسية لا حين تقتضي العدالة. ويضرب هذا النمط مبدأ اليقين القانوني في الصميم، ويخلق مناخاً من الخوف الذاتي لدى الكتّاب والإعلاميين والسياسيين، حيث تتحول الكلمة إلى مخاطرة مؤجلة العواقب.
ويتجاوز المشهد في جوهره شخص عبد اللطيف العلوي ليطال بنية العلاقة بين السلطة والرأي العام في تونس. فالدولة التي تلجأ إلى المحاكمات والعقوبات السالبة للحرية رداً على خطاب نقدي، ترسل رسالة واضحة مفادها أن سقف المسموح به ليس محدداً بالقانون بقدر ما هو محدد برضا الحاكم. وعندما يصبح التعبير عن الرأي سبباً للحبس؛ فإن الحديث عن دولة قانون يفقد معناه العملي، ويتحوّل القضاء من ميزان للحقوق إلى أداة ضبط سياسي.
وتبدو قضية العلوي في هذا السياق؛ مثالاً إضافياً على توظيف نصوص قانونية مطاطة لتكميم الأصوات المزعجة للسلطة، بدل تطوير تشريعات عصرية توازن بين حماية المؤسسات وضمان الحريات. فالديمقراطيات لا تُقاس بقدرتها على إسكات منتقديها، بل بقدرتها على تحمّل النقد القاسي منهم، دون أن تلوّح بعصا السجن.




























