أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس حكماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف في حق الإعلاميين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، مع فرض خطايا مالية ثقيلة، ومصادرة أموالهما والحصص الاجتماعية للشركات التي يساهمان فيها لفائدة الخزينة العامة.
وصدر الحكم عن الدائرة الجناحية، فيما مثل الإعلاميان بحالة إيقاف، بعد مسار قضائي طويل بدأ بإيقافهما على خلفية تصريحات ومحتوى إعلامي، قبل أن تُفتح ضدهما لاحقاً ملفات مالية. في تسلسل زمني يؤشر بشكل واضح إلى نقل القضية من مستوى الرأي إلى مستوى التجريم الجنائي، في نمط بات متكرراً في تونس خلال السنوات الأخيرة.
وكانت السلطات التونسية قد أوقفت مراد الزغيدي في 12 مايو/أيار 2024، وبرهان بسيس في 11 مايو/أيار من العام نفسه، بسبب مواقف وتصريحات إعلامية وحصص إذاعية وتلفزية وتدوينات. ولاحقاً صدرت في حقهما أحكام ابتدائية بالسجن لمدة سنة، ثم خُففت استئنافياً إلى ثمانية أشهر. وقبل أيام فقط من انتهاء تنفيذ العقوبة؛ صدر قرار جديد بإيداعهما السجن بتاريخ 3 ديسمبر/كانون الأول 2024، على ذمة شبهات تبييض أموال، ما حوّل الاحتجاز إلى سلسلة متصلة من القضايا المتعاقبة.
وينطوي هذا المسار على إخلالات إجرائية جسيمة، أبرزها إصدار بطاقة الإيداع بالسجن دون استنطاق فعلي، ودون تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على الملف، إلى جانب الرفض المتكرر لطلبات الإفراج. وهي ممارسات تضرب في الصميم مبدأ قرينة البراءة، وتحول الإيقاف التحفظي من إجراء استثنائي إلى عقوبة مسبقة.
ورغم أن الحكم قُدّم في إطار “قضايا مالية”؛ فإن الوقائع تشير إلى تسييس واضح للتجريم، حيث يُستدعى القضاء الجنائي بعد إسكات الصوت الإعلامي، لا قبله. وهو ما يشكل انتهاكاً مباشراً للدستور التونسي، ولمبدأ استقلال القضاء، وللالتزامات الدولية التي تحظر معاقبة الصحفيين بسبب عملهم أو آرائهم تحت غطاء قوانين فضفاضة.
وتمثل مصادرة الأموال والحصص الاجتماعية عقوبة إضافية ذات طابع ردعي، تتجاوز فكرة المساءلة القانونية إلى إلحاق أذى اقتصادي مقصود، بما يعمّق أثر الحكم ويتحول إلى رسالة ترهيب موجهة إلى الوسط الإعلامي برمته.
وتعكس قضية مراد الزغيدي وبرهان بسيس تحولاً خطيراً في علاقة الدولة التونسية بحرية الصحافة، حيث تُستبدل أدوات الرقابة المباشرة بمحاكمات زجرية، ويُعاد إنتاج مناخ الخوف عبر السجن والمصادرة بدل المنع الصريح.
ما جرى يشكل انتهاكاً واضحاً لحرية الرأي والتعبير، ولمبادئ المحاكمة العادلة، ويؤكد أن القضاء يُستخدم هنا لتصفية حسابات مع أصوات نقدية، عبر أحكام لا تمس شخصين فقط، بل تضرب حق المجتمع التونسي بأكمله في إعلام حر، وتعيد البلاد خطوة أخرى نحو مربع القمع الذي ثار عليه التونسيون.


























