أحالت نيابة أمن الدولة العليا في مصر، الصحافي أحمد بيومي و64 معتقلاً آخرين إلى محكمة أمن الدولة العليا طوارئ (دائرة الإرهاب)، على ذمة القضية رقم 5054 لسنة 2024 حصر أمن الدولة العليا، بتهم «الانضمام إلى جماعة إرهابية» و«ارتكاب جريمة من جرائم التمويل»، من دون إعلان موعد لبدء جلسات المحاكمة.
وتضم القضية 65 متهماً من 14 محافظة، بينها القاهرة والجيزة والإسكندرية وشمال سيناء والوادي الجديد، في واحدة من أوسع الإحالات الجماعية خلال الفترة الأخيرة. وتأتي إحالة بيومي بعد أكثر من 15 شهراً على توقيفه، في مسار قضائي أثار اعتراضات واسعة داخل الوسط الصحافي.
وكان أحمد بيومي قد أوقف من منزله في 16 سبتمبر/أيلول 2024، قبل أن يظهر لأول مرة أمام نيابة أمن الدولة بعد 47 يوماً من الغياب القسري، من دون إعلان رسمي عن أسباب القبض عليه أو مكان احتجازه. وخلال تلك الفترة؛ حُرم من التواصل مع محاميه وأسرته، في مخالفة صريحة للضمانات الدستورية التي تُلزم بعرض المقبوض عليهم سريعاً على جهة تحقيق مختصة، وتمكينهم من حقوق الدفاع.
واستمر حبس بيومي احتياطياً لأشهر طويلة، في نمط بات شائعاً في قضايا الرأي، حيث يُستخدم الحبس الاحتياطي كعقوبة غير مُعلنة، بما يتعارض مع كونه إجراءً استثنائياً يهدف إلى ضمان سير التحقيق، لا إلى معاقبة المتهم قبل صدور حكم.
وتُعد محكمة أمن الدولة العليا طوارئ من المحاكم الاستثنائية التي لا تخضع أحكامها لطرق الطعن القضائي المعتادة، إذ تُرفع إلى رئيس الجمهورية للتصديق أو التعديل أو الإلغاء. ويُثير هذا المسار مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بحرية التعبير، حيث تُحرم هيئة الدفاع من درجات التقاضي، ويُقوَّض حق المتهم في مراجعة الحكم أمام محكمة أعلى.
كما أن صياغة الاتهامات في هذه القضايا غالباً ما تأتي عامة وفضفاضة، من قبيل «الانضمام» و«التمويل»، من دون تفصيل أفعال محددة أو أدلة مادية واضحة، بما يفتح الباب لتجريم العمل الصحافي السلمي، وملاحقة الآراء والنشاط المهني تحت مظلة أمنية واسعة.
وتعكس إحالة صحافي إلى دائرة الإرهاب استمرار سياسة خلط العمل الإعلامي بقضايا الأمن القومي، في تجاهل للفصل الضروري بين النقد الصحافي المشروع وأي نشاط عنيف. ويُنظر إلى هذا النهج بوصفه توسعاً في استخدام تشريعات استثنائية لتقييد حرية التعبير، وإرسال رسائل ردع إلى العاملين في الإعلام، بما ينعكس سلباً على حق المجتمع في المعرفة وتداول المعلومات.
كما تُعيد هذه الإحالة إلى الواجهة ظاهرة الملاحقات المتكررة للصحافيين ورسامي الكاريكاتير، عبر قضايا تتشابه في الاتهامات والمسارات، وتُدار أمام نيابة ومحاكم استثنائية، ما يُسهم في إغلاق المجال العام وتقليص المساحات المتاحة للنقد السلمي.
وتُلزم القوانين المصرية والدستور والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها مصر بحماية حرية الصحافة، وضمان عدم احتجاز أي شخص بسبب آرائه أو عمله المهني، واحترام معايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك حظر الاختفاء القسري، وضمان حق الدفاع وعلانية الإجراءات، وحق الطعن على الأحكام. غير أن الوقائع المتكررة في قضايا الرأي تُظهر فجوة متسعة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي.
وتُجدد هذه القضية الأسئلة حول مستقبل حرية التعبير في البلاد، وحدود العمل الصحافي، وحول الحاجة إلى إنهاء العمل بالمحاكم الاستثنائية، ووقف استخدام تهم الإرهاب في مواجهة أنشطة سلمية، بما يكفل احترام الحقوق الأساسية ويعيد الاعتبار لسيادة القانون.


























