في ظلّ تصاعد إجراءات الهدم والإخلاء القسري في الضفة الغربية؛ تتزايد المخاوف الحقوقية من انعكاسات هذه السياسات على الحق في السكن والأمن الشخصي والاستقرار المجتمعي، في وقت تتسع فيه رقعة المتضررين لتشمل عائلات كاملة وممتلكات زراعية ومبانٍ سكنية مأهولة، بما يضع آلاف المدنيين أمام واقع إنساني وقانوني معقّد.
وخلال اليوم الثلاثاء؛ أخطرت قوات الاحتلال بهدم أربعة منازل في قرية الكوم غرب الخليل، تعود ملكيتها لكل من أحمد محمود مصطفى الرجوب الذي يمتلك منزلين أحدهما مأهول، ومحمد محمود موسى الرجوب، وهاني مصطفى الرجوب.
وبحسب مصادر محلية؛ فإن الإخطارات تأتي ضمن سياسة متكررة تستهدف المناطق القريبة من جدار الفصل، حيث تترافق مع قيود على البناء وتضييق على النشاط الزراعي، إضافة إلى اعتداءات ميدانية وملاحقات واعتقالات.
وفي سياق متصل؛ واصلت قوات الاحتلال عمليات الهدم في عدة محافظات بالضفة الغربية، شملت منازل ومنشآت زراعية ومبانٍ سكنية.
ففي جنين؛ هُدم منزل رأفت دواسة في بلدة السيلة الحارثية غرب المدينة بعد إخلاء المنازل المجاورة، وذلك بعد إخطار سابق للعائلة بنيّة الهدم. كما شهدت البلدة اقتحامات متزامنة وإغلاقاً لمداخلها، في حين كان دواسة قد قُتل في أغسطس 2024 إثر قصف مركبة كان يستقلها مع أحمد أبو عرة.
أما في القدس؛ فقد هُدمت منشآت زراعية في بلدة عرب الجهالين شرقي المدينة، ما ألحق خسائر مادية بالمزارعين، في ظل شكاوى متكررة من استهداف النشاط الزراعي ومصادرة معدات وممتلكات.
وفي نابلس؛ هُدم منزل مكوّن من طابقين في منطقة التعاون العلوي تعود ملكيته للمواطن ياسر الصابر، الذي أفاد بأن عائلته أُجبرت على الإخلاء قبل أسابيع بعد تلقي إخطار بالهدم، رغم وجود خرائط تشير – وفق قوله – إلى تصنيف مختلف للمنطقة.
وقدّر الصابر خسائره بأكثر من 250 ألف دينار، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت هدم نحو 14 منزلاً مأهولاً خلال العامين الماضيين.
وفي بيت لحم؛ هُدمت بناية سكنية مأهولة مكوّنة من طابقين في بلدة الخضر، تضم أربع شقق سكنية، وذلك بحجة البناء دون ترخيص. ورافقت العملية إجراءات إغلاق للمنطقة ومنع للتنقل وإطلاق قنابل الغاز والصوت، ما أثار حالة من التوتر والغضب بين السكان.
كما أفادت مصادر محلية في منطقة الأغوار بأن اعتداءات المستوطنين دفعت نحو 15 عائلة إلى تفكيك مساكنها تمهيداً للرحيل، بعد أيام قليلة من اضطرار سبع عائلات أخرى لمغادرة تجمعات سكنية مجاورة للأسباب ذاتها، وسط شكاوى من إطلاق المواشي في الأراضي الزراعية تحت حماية قوات الاحتلال.
من منظور حقوقي وقانوني دولي؛ تُثير هذه التطورات إشكاليات متعلقة بحظر التهجير القسري للمدنيين في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وبالحق في السكن الملائم وحماية الملكية الخاصة، وهي مبادئ راسخة في القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تشدد على واجب قوة الاحتلال في حماية السكان المدنيين وعدم إحداث تغييرات دائمة تمس البنية الديمغرافية أو الملكيات الخاصة إلا لضرورات عسكرية ضيقة ومؤقتة.
كما أن تكرار أوامر الهدم بدعوى عدم الترخيص في مناطق تعاني أصلاً من قيود تخطيطية صارمة يطرح تساؤلات حول التناسب والتمييز في تطبيق القوانين، ومدى توافق هذه الإجراءات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في الاستقرار الأسري والاقتصادي وعدم التعرض للعقوبات الجماعية.
وفي المحصلة، تتقاطع عمليات الهدم والإخلاء مع أبعاد إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة، إذ لا تقتصر آثارها على فقدان المأوى فحسب، بل تمتد إلى تعطيل سبل العيش والتعليم والصحة، وتزيد من هشاشة المجتمعات المحلية، ما يجعلها قضية ذات أبعاد قانونية وحقوقية تتجاوز الطابع الإداري أو العمراني إلى صلب الحماية الواجبة للمدنيين وحقوقهم الأساسية.


























