يواجه قطاع غزة واحدة من أخطر الأزمات الصحية والحقوقية في تاريخه الحديث، مع تسجيل أعداد غير مسبوقة من إصابات العيون بين المدنيين الفلسطينيين خلال الحرب، في ظل حصار متواصل يمنع إدخال الأجهزة الطبية والعلاجات التخصصية، ما يحوّل آلاف الإصابات القابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة.
وتشير المعطيات الصحية إلى أن عدد المصابين منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023 تجاوز 171 ألف إصابة، نحو 11% منها إصابات في العيون، أي ما يقارب 17 ألف حالة، بينها نسبة مرتفعة من الأطفال، وفق تصريحات إعلامية لمدير مستشفى العيون التابع لوزارة الصحة في قطاع غزة استشاري طب وجراحة العيون الدكتور عبد السلام صباح.
ولا يسمح الواقع الطبي في غزة بالتعامل مع هذا الحجم من الإصابات الخطرة؛ إذ تسجّل المرافق الصحية حالات فقدان بصر بشكل شبه يومي نتيجة العجز عن إجراء تدخلات جراحية عاجلة، سواء بسبب نقص الأجهزة الدقيقة أو منع إدخال المستلزمات الطبية.
إضافة إلى ذلك؛ فإن العديد من الإصابات تتضمن اختراق مقلة العين أو وجود شظايا داخلها، وهي حالات تتطلب تدخلاً فورياً خلال ساعات محدودة، وأي تأخير فيها يعني عملياً خسارة العين نهائياً.
وتُظهر البيانات المتوفرة أن أكثر من 3 آلاف مصاب فقدوا بصرهم فعلياً خلال الحرب، في حين يُرجّح أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير مع استمرار توثيق الحالات. كما أن الأطفال، الذين يشكّلون قرابة 20% من مصابي العيون، يواجهون خطراً مضاعفاً بسبب هشاشة أوضاعهم الصحية، ما ينذر بتوسع ظاهرة الإعاقة البصرية داخل المجتمع الفلسطيني لسنوات طويلة قادمة.
وفي شمال القطاع وحده؛ سُجّلت آلاف الإصابات في العينين، نسبة كبيرة منها انتهت بتفريغ العين أو بإصابات ثنائية تهدد بالعمى الكامل.
ويُعد إحداث إعاقات دائمة بين المدنيين، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر وسائل قتالية ذات آثار واسعة وغير تمييزية، انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية خاصة للمدنيين ويحظر التسبب بإصابات لا ضرورة عسكرية لها.
كما أن منع إدخال المعدات الطبية والأجهزة التشخيصية الأساسية يُصنّف كعقاب جماعي، ويشكّل خرقاً واضحاً لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف، التي تلزمها بضمان عمل المرافق الصحية وتوفير سبل العلاج للسكان الواقعين تحت سيطرتها.
وإلى جانب الكارثة الصحية؛ يستمر القتل اليومي للمدنيين في قطاع غزة، حيث قُتل مئات الفلسطينيين خلال الأشهر الأخيرة، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، ما يمثل انتهاكاً جوهرياً للحق في الحياة، وهو حق غير قابل للتعليق أو الانتقاص، سواء وُجد اتفاق لوقف إطلاق النار أم لم يوجد.
ويرقى قتل المدنيين، أو تعريضهم لإصابات جسيمة، أو تدمير مقومات حياتهم الأساسية، إلى جرائم خطيرة تستوجب المساءلة، ولا يسقط تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية. وفي غزة؛ تتقاطع الإصابة المتعمدة، والإهمال القسري، والحصار، لتشكّل معاً سياسة تُنتج الموت أو الإعاقة كواقع يومي، وتترك آثاراً إنسانية ستستمر لعقود بعد توقف العمليات العسكرية.

























