لم يعد البحر في قطاع غزة مساحة رزق أو متنفساً للحياة، بل تحول إلى مجال مكشوف للاستهداف المباشر، حيث بات الصياد الفلسطيني يواجه خطر الموت وهو يحاول تأمين لقمة العيش لعائلته.
فبين القيود المشددة والمنع الكامل من العمل، وإطلاق النار المتكرر على القوارب الصغيرة، يتراكم عدد القتلى من الصيادين ليعكس وجهاً آخر من وجوه حرب الإبادة المستمرة على القطاع، التي تطاول الإنسان في أدق تفاصيل حياته اليومية.
وقُتل صياد فلسطيني، اليوم الأحد، متأثراً بجراح خطيرة أصيب بها في بحر مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، عقب إطلاق الزوارق الحربية التابعة للاحتلال النار على مجموعة من الصيادين العاملين قرب الشاطئ. وأُصيب صياد آخر بجراح متفاوتة في الاعتداء ذاته.
وبحسب منسق لجان الصيادين الفلسطينيين في اتحاد لجان العمل الزراعي، زكريا بكر، فإن الصياد عبد الرحمن عبد الهادي القن فارق الحياة نتيجة إصابته البالغة أثناء مزاولته مهنة الصيد غرب خانيونس.
وأوضح بكر أن الاعتداءات المتواصلة منذ سريان وقف إطلاق النار أسفرت عن مقتل صيادين اثنين، إضافة إلى حوادث غرق طاولت صيادين آخرين بعد انقلاب مراكبهم الصغيرة (الحسكات) في ظروف بحرية خطرة فرضها المنع والتضييق، فضلاً عن اعتقال 28 صياداً خلال الفترة نفسها.
وأشار إلى أن عدد قتلى الصيادين منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة بلغ 232 صياداً، من بينهم 67 قُتلوا أثناء محاولتهم الصيد في البحر، نتيجة الاستهداف المباشر لقواربهم وإطلاق النار عليهم.
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، يؤكد الصيادون أن الاحتلال ما زال يمنعهم من دخول البحر ويُبقيه مغلقاً بشكل كامل، في خرق واضح للاتفاق، ما يدفعهم إلى العمل في مسافات قريبة وخطرة في محاولة يائسة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية.
ويمثل استهداف الصيادين الفلسطينيين في البحر انتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأ حماية المدنيين ووسائل عيشهم أثناء النزاعات المسلحة. فالصيادون مدنيون غير مشاركين في أي أعمال قتالية، ومراكبهم الصغيرة تُعد وسائل كسب رزق لا يجوز استهدافها أو تعطيلها.
كما أن منع الصيد وإغلاق البحر بشكل كامل يشكل عقاباً جماعياً محظوراً، ويُستخدم كأداة للضغط الاقتصادي والتجويع، عبر حرمان آلاف العائلات من مصدر دخلها الوحيد.
وتُظهر الوقائع المتكررة أن ما يتعرض له الصيادون ليس نتاج أخطاء فردية أو ظروف طارئة، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى خنق القطاع اقتصادياً وإدامة حالة العجز المعيشي، حتى في فترات التهدئة المعلنة. فالاستهداف المستمر، والمنع المطلق، والملاحقات والاعتقالات، كلها أدوات تُستخدم لإفراغ البحر من الصيادين وتحويله إلى منطقة محظورة بالقوة.
وفي ظل استمرار هذه الانتهاكات، يدفع صيادو غزة ثمناً باهظاً لمجرد تمسكهم بحقهم في العمل والحياة. ومع غياب أي حماية فعلية، يبقى البحر شاهداً على واحدة من أكثر صور الانتهاك قسوة، حيث يُقتل المدني لأنه حاول أن يعيش، ويُحاصر لأنه لم يمت جوعاً بعد.























