أيدت محكمة الاستئناف بالعاصمة التونسية، الحكم الصادر بالسجن 15 عاما في حق القيادي بحركة “النهضة” الصحبي عتيق، في قضية تتعلق بغسل أموال، مؤكدة الحكم الابتدائي الصادر في يونيو/حزيران الماضي، إلى جانب تثبيت أحكام أخرى بحق أربعة متهمين في القضية نفسها، تراوحت بين السجن والغرامات المالية.
ويمثل هذا القرار انتهاكا واضحا لمبادئ المحاكمة العادلة، في ظل صدوره دون مرافعات فعلية، وفي غياب المتهم الذي قاطع الجلسات بعدما فقد الثقة في جدوى المشاركة في إجراءات قضائية لا تضمن الحد الأدنى من حقوق الدفاع. فغياب المرافعة العلنية، وحرمان المتهم من ممارسة حقه الكامل في الدفاع، يقوضان جوهر العدالة الجنائية، ويجعلان الحكم فاقدا لأساسه الحقوقي.
كما أن تثبيت عقوبة سالبة للحرية بهذه القسوة، استنادا إلى وقائع تعود إلى عام 2016، يعكس إخلالا بمبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، وتجاهلا لطول المدة الزمنية التي فصلت بين الوقائع والمحاكمة، وهو ما يفرغ العدالة من بعدها الإصلاحي، ويحوّلها إلى أداة عقابية خالصة.
ويتعزز الطابع غير الحقوقي لهذا الحكم بالنظر إلى السياق السياسي الذي صدر فيه، حيث تتزامن ملاحقة عتيق مع سلسلة من القضايا الثقيلة المرفوعة ضد معارضين سياسيين، في مقدمتهم قيادات بارزة في حركة النهضة. فصدور حكم جديد بالسجن 15 عاما، بعد حكم سابق بـ13 عاما في قضية أخرى، يكشف نمطا قائما على التراكم العقابي ضد الشخص ذاته، بما يشي باستخدام القضاء لتصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء قانوني.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات التي شهدتها تونس منذ يوليو/تموز 2021، حين أُعيد تشكيل السلطة القضائية على نحو أضعف استقلالها العملي، وقلّص من الضمانات المؤسسية الكفيلة بحماية الحقوق والحريات، بما في ذلك الحق في محاكمة عادلة ومستقلة.
ورغم تأكيد السلطات التونسية استقلال القضاء، فإن الوقائع العملية، وفي مقدمتها الأحكام الثقيلة الصادرة بحق معارضين، وحرمانهم من شروط التقاضي العادل، تُظهر تصادما مباشرا مع المعايير الأساسية لحقوق الإنسان، وتعيد إنتاج ممارسات عقابية عرفتها تونس في فترات سابقة من تاريخها السياسي.
ويظل الحكم الصادر بحق الصحبي عتيق غير نهائي، وقابلا للطعن أمام محكمة التعقيب، غير أن استمرار احتجازه منذ عام 2023، في ظل هذا المسار القضائي المتراكم، يمثل مساسا خطيرا بالحق في الحرية الشخصية، ويعكس عودة منطق العقاب السياسي بأدوات قضائية، في وقت يفترض فيه أن يكون القضاء حصنا للحقوق لا وسيلة لانتهاكها.



























