في قطاع غزة؛ لا يأتي الموت من اتجاه واحد. فهو يتنقل بين القصف وإطلاق النار، ويتسلل عبر البرد القارس، ويترسخ بفعل الحصار ومنع المساعدات. وبينما يُقتل المدنيون بنيران الاحتلال، يموت الأطفال في الخيام بسبب انعدام المأوى والتدفئة، في مشهد يعكس تداخلاً خطيراً بين العنف العسكري والانهيار الإنساني، ويحوّل الحياة اليومية للفلسطينيين إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء.
وخلال 24 ساعة؛ سُجّلت في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة وفاة رضيع يبلغ من العمر سبعة أيام، نتيجة البرد القارس والانخفاض الحاد في درجات الحرارة، في واقعة تسلط الضوء على التداعيات القاتلة للأوضاع الإنسانية المتدهورة.
وتجاوز عدد الوفيات الناتجة عن المنخفض الجوي والبرد الشديد في قطاع غزة 15 حالة، في ظل عجز آلاف العائلات عن توفير الحد الأدنى من الحماية لأطفالها.
ويعيش عشرات آلاف النازحين داخل خيام مهترئة وغير مؤهلة لمواجهة الطقس البارد والعاصف، وسط انعدام المأوى الآمن، وشح الوقود، وغياب وسائل التدفئة، وتدهور المنظومة الصحية. وحوّلت هذه الظروف التي فُرضت بفعل التدمير الواسع والحصار، العوامل الطبيعية إلى أسباب مباشرة للموت، لا سيما بين الرضّع والأطفال وكبار السن.
وفي هذا السياق؛ أكدت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن أطفال قطاع غزة ما يزالون يعيشون أوضاعاً مزرية، في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال على دخول المساعدات الإنسانية.
وأوضحت أن الأطفال ينبغي أن ينعموا بالدفء والتغذية الجيدة والأمان، غير أنهم يُحرمون من ذلك بسبب استمرار منع المساعدات العالقة خارج القطاع، رغم الحاجة الماسة إليها. وشددت الوكالة على جاهزيتها لتوسيع نطاق استجابتها الإنسانية فور رفع القيود المفروضة.
ويشكبل حرمان الأطفال من الغذاء والدفء والرعاية الصحية، وتعريضهم لظروف معيشية تهدد حياتهم، انتهاكاً جسيماً لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، التي تفرض حماية خاصة للأطفال وتُلزم بضمان بقائهم ونمائهم في جميع الظروف.
وبالتوازي مع الكارثة الإنسانية؛ يواصل الاحتلال عمليات القتل المباشر في قطاع غزة. فقد قُتل ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون في قصف واستهدافات متفرقة طالت مناطق عدة.
وفي الساعات الماضية؛ قُتل مدني وأصيب آخر جراء قصف نفذته طائرة مسيّرة قرب دوار بني سهيلا وسط مدينة خان يونس، فيما قُتل فلسطينيان بإطلاق نار من آليات الاحتلال شرق حي الزيتون. كما أُصيب عدد من المدنيين بجروح في قصف استهدف مدخل مخيم المغازي وسط القطاع، في حين تواصل مدفعية الاحتلال استهداف مناطق جنوب مواصي رفح.
وبذلك ترتفع حصيلة القتلى منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار إلى أكثر من 440 قتيلاً، إضافة إلى ما يزيد على 1200 مصاب. غير أن هذه الأرقام لا تُختزل في كونها خروقات لاتفاقات سياسية، بل تمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة، وهو حق غير قابل للتقييد أو التعليق، سواء في أوقات الحرب أو التهدئة.
فالقتل بالقصف وإطلاق النار، وترك المدنيين، وخصوصاً الأطفال، عرضة للبرد والجوع والمرض بسبب الحصار ومنع المساعدات، كلها أفعال تتكامل في إنتاج الموت.
في غزة؛ لا يفرّق القانون الدولي بين رصاصة تقتل، وسياسة تحرم طفلاً من الدفء حتى الموت؛ فكلاهما يشكل انتهاكاً خطيراً يستوجب المساءلة، ويعكس واقعاً إنسانياً لم يعد يحتمل مزيداً من الصمت.
























