أصدرت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس حكماً بالسجن خمس سنوات مع النفاذ العاجل بحق المحامي والنائب السابق سيف الدين مخلوف، على خلفية قضية وُصفت بأنها تتعلق بـ”التآمر على أمن الدولة”، في أحدث حلقة من سلسلة محاكمات تطال معارضين سياسيين وشخصيات عامة منذ تركيز السلطة التنفيذية قبضتها على مفاصل الدولة.
ويأتي هذا الحكم بعد أحكام سابقة صدرت بحق مخلوف، من بينها حكم بالسجن لمدة عام مع النفاذ العاجل، في قضية تعود إلى عام 2021، تتعلق بحادثة داخل مقر مجلس نواب الشعب قبل حلّه، ما يعكس مساراً تصاعدياً في الملاحقات القضائية ضده.
ويثير الحكم مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء في تونس، خصوصاً في ظل الاعتماد المتكرر على تهم عامة وفضفاضة من قبيل “التآمر على أمن الدولة”، وهي تهم تُستخدم على نطاق واسع ضد معارضين سياسيين وصحفيين ونشطاء، دون تقديم معايير دقيقة أو أدلة علنية كافية تبرر خطورة العقوبات المسلطة.
ويُنظر إلى الجمع بين العقوبات السالبة للحرية والنفاذ العاجل بوصفه أداة ضغط سياسي، تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة، وليس إلى تحقيق العدالة أو حماية النظام العام، ما يحوّل القضاء من سلطة مستقلة إلى أداة بيد السلطة التنفيذية.
ويكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة، ويحظر استخدام القضاء لمعاقبة الأفراد بسبب آرائهم السياسية أو نشاطهم العام السلمي. كما يؤكد مبدأ الشرعية الجنائية على ضرورة أن تكون التهم محددة بدقة، وألا تُستخدم النصوص القانونية المبهمة لتجريم المعارضة السياسية.
ويُعد سجن نائب سابق ومحامٍ بسبب قضايا ذات طابع سياسي، وفي سياق عام يتسم بتراجع الضمانات الدستورية وتعليق عمل المؤسسات المنتخبة، مؤشراً خطيراً على انهيار الفصل بين السلطات، وتقويض أسس دولة القانون.
ويأتي الحكم في سياق أوسع من الملاحقات التي طالت سياسيين من اتجاهات مختلفة، ما يؤكد أن المسألة لا تتعلق بأشخاص بعينهم، بل بنهج قائم على تصفية المجال العام من أي معارضة فاعلة. ويعكس ذلك توجّهاً واضحاً نحو إدارة الشأن السياسي عبر المحاكم والسجون، بدل الاحتكام إلى التعددية والآليات الديمقراطية.
وفي ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء؛ فإن مثل هذه الأحكام لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام، ولا يمكن اعتبارها تعبيراً عن عدالة حقيقية، بل عن أزمة عميقة تهدد ما تبقى من مكتسبات الحقوق والحريات في البلاد.



























