تشهد الأوضاع داخل سجن بدر 3 تصعيداً خطيراً يكشف عن نمط متكامل من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في مخالفة صريحة للدستور المصري وللقانون الدولي الإنساني، وسط ظروف احتجاز غير آدمية وإهمال طبي ممنهج أدى إلى وفاة ثمانية معتقلين خلال الأشهر الثمانية الماضية، وإصابة عشرات آخرين بأمراض خطيرة ومزمنة.
ووفق المعطيات المتوفرة؛ يُحرم المعتقلون من أبسط حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والرعاية الصحية. فالرعاية الطبية داخل سجن بدر 3 تكاد تكون منعدمة، مع غياب أطباء متخصصين، وتعطّل أدوات التشخيص الأساسية، وانعدام الأدوية اللازمة، لا سيما لمرضى السرطان والكبد والكلى والأمراض المزمنة. ويُسمح للمعتقل بمراجعة ما يسمى بالعيادة مرة واحدة شهرياً فقط، حتى في الحالات الطارئة، في انتهاك واضح لحق العلاج المكفول قانوناً.
وتشكل هذه الانتهاكات إخلالاً جسيماً بواجب الدولة القانوني في حماية المحتجزين، إذ تنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) على التزام السلطات بتوفير رعاية صحية تعادل تلك المتاحة خارج السجون، وعلى أن الإهمال الطبي الجسيم يُعد شكلاً من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.
وتفاقمت هذه الانتهاكات مع تسجيل حالات وفاة بارزة، من بينها وفاة الدكتور عطا يوسف عبد اللطيف، أستاذ الفيزياء بجامعة أسيوط، بعد تشخيص متأخر بورم سرطاني في مرحلة حرجة، ووفاة الدكتور علاء العزب في ظروف مماثلة. وتؤكد هذه الوقائع في سياق متكرر؛ وجود سياسة إهمال طبي متعمد، لا يمكن فصلها عن المسؤولية الجنائية والإدارية لإدارة السجن.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الصحي، إذ يُحرم المعتقلون من الزيارة القانونية المكفولة لهم بموجب لائحة السجون، وتُفرض عليهم زيارات مهينة عبر كابينات زجاجية مع مراقبة الحديث، في انتهاك صارخ للخصوصية والحق في التواصل الإنساني. كما يُمنعون من التريض والتعرض للشمس، ويُحرم الطلاب من استكمال تعليمهم أو أداء امتحاناتهم، في مخالفة مباشرة للحق في التعليم وعدم التمييز.
كما تشهد أوضاع المعيشة داخل السجن تدهوراً حاداً، يشمل تكسير الحمامات وتركها دون إصلاح، وتعطل مصادر المياه، وتقديم طعام ومياه غير صالحة للاستخدام الآدمي، ورفض تركيب فلاتر مياه حتى على نفقة المعتقلين. ويُمنع المحتجزون من أداء الشعائر الدينية الجماعية، ولا تُصرف لهم ملابس أو بطاطين مناسبة لفصل الشتاء، في خرق واضح لكرامة الإنسان التي يقرها الدستور المصري في مادته الـ51.
وتؤكد الوقائع أن هذه الممارسات ليست عشوائية، بل تأتي ضمن تشديد أمني وإجراءات عقابية مستمرة، خاصة في القطاع 2 من السجن، الذي يضم معتقلين سياسيين، حيث استمرت القيود التعسفية لسنوات طويلة رغم الإضرابات المتكررة، دون أي استجابة جادة.
وأمام هذا الواقع؛ لجأ المعتقلون إلى الاحتجاج السلمي عبر إضراب مفتوح منذ أكثر من 21 يوماً، في محاولة أخيرة لوقف ما يصفونه بـ«الحصار بالموت»، وسط تجاهل كامل من إدارة السجن، التي تتحمل مسؤولية مباشرة عن سلامة المحتجزين. وقد دفع هذا الوضع بعض المعتقلين إلى كتابة وصاياهم قبل الزيارات، في مؤشر بالغ الخطورة على حجم اليأس وانعدام الأمان داخل السجن.
ولا يمكن تبرير ما يجري داخل سجن بدر 3 بأي ذريعة أمنية، ولا يمكن توصيفه إلا بكونه انتهاكاً فاضحاً للحقوق الأساسية، يرقى إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية، وربما القتل غير المباشر. فالقانون الدولي لا يمنح أي سلطة حق تعريض حياة المحتجزين للخطر، ويُحمّل الدولة المسؤولية الكاملة عن كل ما يصيبهم أثناء الاحتجاز.
وفي ظل تصاعد دعوات لجعل يوم 25 يناير يوماً للاحتجاج داخل السجون تحت شعار «أخرجوا المعتقلين أحياء»، تبرز الحاجة الملحّة إلى تحرك فوري يضع حداً لهذه الانتهاكات، ويضمن المحاسبة وعدم الإفلات من المسؤولية، قبل أن تتحول السجون إلى أماكن للموت الصامت بدلاً من أماكن لتنفيذ القانون.


























