في مشهد يعكس الانهيار المتسارع لدولة القانون في تونس؛ أصدر القضاء حكما جديدا بالسجن ضد راشد الغنوشي، ضمن مسار قضائي بات عنوانا لتصفية الخصوم السياسيين عبر أدوات العدالة، وخرقا صارخا لأبسط قواعد المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الوطني والمواثيق الدولية.
وأصدرت المحكمة الابتدائية في تونس، حكما جديدا بسجن رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، ثلاثة أعوام مع غرامة مالية، في قضية مفبركة تتعلق بقبول تمويل غير مباشر من جهة أجنبية.
وأوضحت هيئة الدفاع عن الغنوشي في بيان، أن الحكم صدر دون أن تكون على علم بتفاصيل الملف أو مراحله، في واقعة تمثل انتهاكا فاضحا لحق الدفاع وتكشف طبيعة المسار القضائي القائم على الإقصاء لا التقاضي.
ويمثل صدور حكم جزائي دون تمكين المحامين من الاطلاع على ملف القضية أو معرفة التهم والأدلة قبل النطق بالحكم، إعداماً فعلياً لمبدأ المحاكمة العادلة. فالحق في الدفاع ليس امتيازا تمنحه السلطة، بل ركن جوهري من أركان العدالة، وأي مساس به يحوّل القضاء إلى أداة قمع لا مؤسسة فصل وحماية للحقوق.
كما أن تأجيل تمكين الدفاع من حيثيات القضية إلى مرحلة الاستئناف يُفرغ التقاضي من مضمونه، وينسف مبدأ المواجهة بين الخصوم، ويقضي على قرينة البراءة، التي يفترض أن تلازم المتهم حتى صدور حكم نهائي قائم على إجراءات شفافة ونزيهة. ما يجري هو معاقبة مسبقة، ثم البحث عن غطاء قانوني لاحق.
وتأتي هذه القضية في سياق تراكمي من الأحكام الثقيلة بحق الغنوشي، التي بلغ مجموعها 48 سنة سجنا، في مسار يفتقد لأي منطق قانوني يتعلق بالتناسب أو العدالة الجزائية، ويعكس إرادة سياسية واضحة لإقصاء شخصية معارضة مركزية من المجال العام، عبر سلاح القضاء لا صناديق الاقتراع.
إن تعدد القضايا، وتسارع الأحكام، وغياب الضمانات، وتطابق المسار القضائي مع السياق السياسي، كلها مؤشرات دامغة على تسييس العدالة، وتحويل المحاكم إلى أدوات لتكريس الحكم الفردي، في تعارض صريح مع أبسط مبادئ استقلال القضاء. فالقضاء، وفق المعايير القانونية الدولية، يجب أن يكون محايدا ومستقلا عن السلطة التنفيذية، لا ذراعا لها في تصفية الخصوم.
ويقبع راشد الغنوشي، البالغ من العمر 84 عاما، في سجن المرناقية منذ نيسان/أبريل 2023، في ظروف احتجاز تُثير بدورها تساؤلات قانونية وإنسانية، خاصة في ظل سنه ووضعه الصحي، ومع صدور أحكام بالسجن لمدد طويلة، ومنعه من السفر، وتجميد أمواله، في عقوبات تتجاوز الطابع الجزائي إلى العقاب السياسي الشامل.
ويمثل ما يجري في تونس خرقا واضحا لالتزامات الدولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يضمن الحق في محاكمة عادلة، وعلنية الإجراءات، واستقلال القضاة، وعدم التمييز بين المتقاضين. كما يشكل هذا المسار تقويضا ممنهجا لمبدأ سيادة القانون، واستبداله بمنطق القوة والانتقام السياسي.




























