تَمْثُل اليوم الجمعة المحامية والناشطة الحقوقية سنية الدهماني أمام الدائرة الجناحية عدد 17 بمحكمة الاستئناف بتونس، في القضية المعروفة إعلامياً بملف “العنصرية”، وهي قضية تندرج ضمن سلسلة ملاحقات قضائية استهدفتها بسبب تصريحات إعلامية ناقدة لسياسات الدولة وخطاب السلطة.
وتُلاحق الدهماني في هذه القضية بموجب المرسوم عدد 54 لسنة 2022، وهو نص قانوني صيغ ليكون أداة قمع مباشرة لحرية التعبير، ويُستخدم عملياً لمعاقبة كل من ينتقد السلطة أو يناقش الشأن العام خارج السقف الذي تفرضه.
وتمثل محاكمة الدهماني جزءاً من سياسة ممنهجة تعتمدها السلطة القائمة على إخضاع القضاء وتوظيفه لتصفية الأصوات المزعجة، خاصة الصحفيين والمحامين والإعلاميين. وقد أصبح اللجوء إلى السجن، بدل النقاش أو الرد السياسي، السمة الأبرز في تعامل النظام مع النقد.
وتقوم هذه الملاحقات على نصوص غامضة وفضفاضة، تُجرّم “التصريحات” و”التعليقات” دون تعريف دقيق، بما يسمح بتأويلها حسب مزاج السلطة، وتنتهك بشكل صريح الحق في حرية الرأي والتعبير، وتفرغ أي حديث عن دولة القانون من مضمونه.
وكان القضاء قد أفرج في 27 نوفمبر الماضي عن سنية الدهماني إفراجاً مشروطاً، بعد أن قضت عاماً ونصف العام في السجن، واجهت خلالها خمس قضايا، أربع منها على معنى المرسوم 54، وذلك نتيجة مواقف وتصريحات إعلامية انتقدت فيها الخطاب الرسمي، وخاصة ما يتعلق بملف المهاجرين غير النظاميين، والعنصرية التي رافقته.
وقد أُدينت الدهماني عدة مرات قبل الإفراج عنها. ففي 11 ماي 2024، أُوقفت من داخل “دار المحامي” بالعاصمة تونس على يد عناصر أمنية ملثمة، خلال بث مباشر، في مشهد جسّد بوضوح انهيار الضمانات القانونية، وانتهاك حرمة الفضاءات المهنية، ورسالة ترهيب صريحة لكل المحامين.
وفي سبتمبر 2024، حُكم عليها بالسجن ثمانية أشهر بسبب تصريحات ساخرة من خطاب الرئيس قيس سعيد حول المهاجرين. ثم صدر في 22 جانفي 2025 حكم بسجنها سنة ونصف السنة في قضية أخرى تتعلق بتهمة “العنصرية”. كما أصدرت محكمة تونسية في جويلية الماضي حكماً بسجنها سنتين إضافيتين على خلفية تصريحات مشابهة، وفق ما أعلنته هيئة الدفاع عنها.
وتمثل قضية سنية الدهماني دليلاً على انزلاق خطير نحو تجريم الرأي، وتحويل القضاء إلى أداة ردع سياسي. فالتصريحات التي حُوكمت بسببها تندرج في إطار التعبير السلمي والنقاش العام، ولا يمكن، وفق أي معيار قانوني سليم، أن تبرر السجن أو الملاحقة.
وفي انتظار الحكم المرتقب اليوم؛ تظل محاكمة سنية الدهماني شاهداً إضافياً على مرحلة تُدار فيها تونس بمنطق العقاب بدل الحوار، والقمع بدل القانون، في مسار يهدد ما تبقى من الحريات العامة، ويكشف بوضوح طبيعة النظام القائم وخياراته تجاه معارضيه.



























