تتواصل سياسات التهجير القسري في الضفة الغربية، حيث أصدرت سلطات الاحتلال، صباح الأحد، قراراً عسكرياً يقضي بإخلاء تجمع بدوي في بلدة المغير شرق رام الله، في خطوة تعكس نمطاً متكرراً من الإجراءات الميدانية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في التجمعات الرعوية الصغيرة والمعزولة.
وداهمت قوات الاحتلال تجمع أبو ناجح الكعابنة في منطقة الخلايل جنوب المغير، وسلمت سكانه، البالغ عددهم نحو 40 شخصاً، أوامر تقضي بالرحيل خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة، مع إعلان المنطقة “عسكرية مغلقة”. كما أقدمت القوات على اعتقال ثلاثة متضامنين أجانب من جنسيات مختلفة كانوا متواجدين في المكان، قبل الانسحاب.
وتأتي هذه الحادثة في سياق سلسلة طويلة من عمليات الإخلاء التي طالت تجمعات بدوية ورعوية في مناطق متفرقة من الأغوار وشرق الضفة. ويبرز في هذا السياق ما حدث في تجمع شلال العوجا شمال أريحا، حيث اكتمل تهجير جميع العائلات الفلسطينية، والبالغ عددها قرابة 120 عائلة، بعد سنوات من الضغوط المتواصلة.
ولم يتم التهجير هناك دفعة واحدة، بل عبر مراحل متدرجة شملت تضييق سبل العيش، والقيود على الرعي، والاقتحامات المتكررة، وخلق بيئة طاردة دفعت العائلات إلى الرحيل تباعاً حتى خلت المنطقة من سكانها الأصليين.
ويُعد التهجير القسري، وفق القواعد المستقرة في القانون الدولي الإنساني، انتهاكاً خطيراً لحقوق السكان الواقعين تحت الاحتلال، ولا سيما الحق في السكن والأمن الشخصي وحرية التنقل. كما تحظر الاتفاقيات الدولية نقل السكان قسراً أو إكراههم على مغادرة أماكن إقامتهم الأصلية، سواء بشكل مباشر أو عبر سياسات تضييق ممنهجة تؤدي عملياً إلى النتيجة ذاتها.
وتؤكد المبادئ القانونية ذات الصلة أن إعلان المناطق “عسكرية مغلقة” لا يبرر الإخلاء الدائم للسكان المدنيين، وأن المسؤولية القانونية لا تقتصر على الأفعال المباشرة، بل تمتد إلى السياسات التي تخلق ظروفاً معيشية لا تُحتمل تدفع الناس للرحيل، وأن حماية التجمعات البدوية والرعوية تُعد جزءاً من حماية أنماط الحياة التقليدية وحقوق الملكية والانتفاع بالأرض.
ويتجاوز أثر التهجير فقدان المأوى إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وفقدان مصادر الرزق، خاصة في المجتمعات البدوية التي تعتمد على الرعي والتنقل الموسمي. كما يؤدي اقتلاع العائلات إلى اضطراب تعليم الأطفال، وتدهور الوصول إلى الخدمات الصحية، وزيادة الهشاشة الاقتصادية، ما يخلق دائرة متواصلة من عدم الاستقرار.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن الإخلاء المرحلي، المصحوب بالإنذارات القصيرة والاقتحامات المتكررة، يُنتج ضغطاً نفسياً واجتماعياً طويل الأمد، ويحوّل الحياة اليومية إلى حالة ترقب دائم، وهو ما يتعارض مع الحد الأدنى من معايير الكرامة الإنسانية والعيش الآمن.
وفي المحصلة؛ تعكس أحداث المغير وشلال العوجا مساراً متصاعداً من الإجراءات التي تمس جوهر الحقوق الأساسية للسكان المدنيين، وتطرح تساؤلات جدية حول التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي، ومدى احترامها للضمانات التي تكفل بقاء المجتمعات المحلية في أراضيها دون إكراه أو تهديد.























