حذّرت الأمم المتحدة من تصاعد وتيرة التهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ مطلع عام 2026، في مؤشر جديد على اتساع دائرة الانتهاكات التي تمسّ الحق في السكن والأمن الشخصي والاستقرار المجتمعي، وهي حقوق مكفولة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.
وبحسب ما أعلنه المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في مؤتمر صحفي؛ فقد أُجبر أكثر من 900 فلسطيني على ترك منازلهم منذ بداية العام، في ظل تزايد اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم وفرض القيود على الوصول إلى الأراضي والممتلكات. ويعكس هذا الرقم اتجاهاً مقلقاً نحو تفريغ تدريجي للتجمعات السكانية الفلسطينية، بما يشكّل نمطاً من أنماط التهجير القسري المحظور دولياً.
ويُعدّ التهجير القسري، سواء تم عبر العنف المباشر أو عبر خلق ظروف معيشية طاردة، انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف التي تحظر نقل السكان أو إبعادهم من أراضيهم المحتلة، كما يتعارض مع مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو مبدأ راسخ في النظام القانوني الدولي.
ولا يقتصر الأثر القانوني لهذه الممارسات على بعدها الإنساني، بل يمتد ليطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للسكان المدنيين، ويهدد حقهم في البقاء ضمن بيئتهم الطبيعية والثقافية.
وأوضح دوجاريك أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” وثّق أكثر من 50 هجوماً للمستوطنين خلال فترة وجيزة بين أواخر كانون الثاني/يناير وبداية شباط/فبراير، أسفرت عن ضحايا وأضرار مادية. ويعكس هذا العدد المرتفع من الحوادث مناخاً من انعدام الحماية الفعلية للمدنيين، في وقت يفرض فيه القانون الدولي التزاماً واضحاً على قوة الاحتلال بضمان سلامة السكان الواقعين تحت سيطرتها، ومنع أي اعتداءات عليهم أو على ممتلكاتهم.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار عدم الالتزام بالبروتوكولات الإنسانية المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، لا سيما ما يتعلق بإدخال الوقود والمساعدات الإنسانية ومعدات رفع الأنقاض، وهو ما يفاقم الأوضاع المعيشية في قطاع غزة ويزيد من هشاشة البنية التحتية المدنية.
وتكتسب هذه المسألة بعداً حقوقياً مضاعفاً بالنظر إلى أن حرمان السكان من الإمدادات الأساسية قد يرقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي، وهو أمر محظور بشكل قاطع في القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني.
وفي السياق الصحي؛ أشار دوجاريك إلى أن أكثر من 18 ألفاً و500 مريض في غزة ما زالوا بحاجة إلى علاج متخصص غير متوفر محلياً، ما يسلّط الضوء على الحق في الصحة بوصفه حقاً غير قابل للتجزئة، ولا يجوز تقييده لأسباب سياسية أو أمنية. كما أن عرقلة وصول المرضى إلى العلاج أو تأخير إجلائهم تمثل مساساً مباشراً بحق الحياة والكرامة الإنسانية.
ورغم إعادة تشغيل معبر رفح جزئياً وسط قيود مشددة، فإن شكاوى الفلسطينيين من سوء المعاملة والمضايقات تعكس استمرار القيود على حرية التنقل، وهو حق أساسي نصّت عليه المواثيق الدولية.
وتُظهر هذه المعطيات مجتمعة صورة مركّبة من الضغوط المتراكمة على السكان المدنيين، بين تهجير قسري في الضفة، وحصار إنساني في غزة، وقيود على العلاج والحركة، بما يضع مسألة الحماية الدولية للمدنيين في صلب النقاش الحقوقي والقانوني الدولي.

























