تتزايد الشواهد على تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وسط تحذيرات أممية متكررة، ووقائع ميدانية تعكس هشاشة وقف إطلاق النار وتآكل مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يضع المدنيين، ولا سيما الأطفال والمرضى، في قلب دائرة الخطر اليومي.
وفي هذا السياق؛ أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” بيانا وصفت فيه الأوضاع في قطاع غزة، بأنها “مميتة” للأطفال، محذرة من أن الواقع الإنساني لا يزال بالغ الهشاشة ويهدد حياة الآلاف.
وأكدت المنظمة أن أطفال غزة ما زالوا يرزحون تحت وطأة الغارات الجوية، ويعانون من انهيار شامل في منظومات الصحة والمياه والتعليم، ما يجعل البقاء على قيد الحياة تحديا يوميا.
وجددت “اليونيسيف” دعوتها إلى وقف الأعمال العدائية وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات المنقذة للحياة قبل فوات الأوان.
ويعكس هذا التحذير الأممي صورة أوسع لانهيار البنى المدنية الأساسية، حيث أفادت مصادر طبية في القطاع بأن آلاف المرضى والجرحى يواجهون مصيرا مجهولا نتيجة تدهور المنظومة الصحية.
ووفق هذه المصادر؛ فإن المستشفيات القليلة المتبقية العاملة تحولت إلى محطات انتظار قسرية لمرضى يفتقرون إلى العلاج، في ظل نفاد واسع للأدوية والمستهلكات الطبية.
وتشير الأرقام إلى بلوغ نسبة الأرصدة الصفرية 46% من قائمة الأدوية الأساسية، و66% من المستهلكات الطبية، و84% من المواد المخبرية وبنوك الدم، فيما تتصدر خدمات السرطان وأمراض الدم والجراحة والعناية المركزة قائمة القطاعات الأكثر تضررا.
وتؤكد المصادر أن الحلول الإسعافية المؤقتة لم تعد كافية لإنقاذ الوضع الصحي الذي يقترب من الانهيار الكامل.
ميدانيا؛ تواصلت حوادث القتل والقصف رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار. فقد قُتل فلسطيني برصاص الاحتلال في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، بمنطقة تقع خارج نطاق انتشار وسيطرة الجيش وفق الاتفاق، وذلك ضمن ما تصفه جهات محلية بخروقات يومية للهدنة.
كما شهدت مناطق شرقي غزة وجباليا وخان يونس عمليات قصف مدفعي ونسف، بحسب شهود عيان. ووفقا لوزارة الصحة في غزة؛ فقد قُتل مئات الفلسطينيين وأصيب أكثر من ألف منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
وتطرح هذه الجرائم أبعادا حقوقية وقانونية تتجاوز حدود الحدث اليومي، إذ إن القواعد المستقرة في القانون الدولي الإنساني تلزم أطراف النزاعات المسلحة بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وعدم استهداف المرافق الطبية أو عرقلة عملها.
كما أن الحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في التعليم، تُعد من الحقوق الأساسية غير القابلة للتعطيل حتى في أوقات النزاع، ما يجعل تدهور هذه القطاعات مؤشرا خطيرا على اتساع فجوة الحماية القانونية للمدنيين، وخاصة الأطفال الذين يُفترض أن يحظوا بأولوية مضاعفة في الرعاية والحماية.
وبين التحذيرات الأممية وشهادات الطواقم الطبية والوقائع الميدانية؛ تتشكل صورة مركبة لأزمة إنسانية ممتدة، تتداخل فيها تداعيات القصف مع نقص الدواء وتدهور الخدمات الأساسية، في وقت لا تزال فيه فرص التعافي مرهونة بمدى الالتزام الفعلي بوقف الأعمال العدائية، وفتح مسارات إنسانية مستدامة تعيد الحد الأدنى من مقومات الحياة للسكان المدنيين.

























