شهدت السجون المصرية مأساة إنسانية مزدوجة، تمثلت في وفاة معتقلَين من كبار السن، وما تبعها من احتجاجات وإضراب عن الطعام داخل السجون، في مؤشر صارخ على استمرار الإهمال الطبي وفشل السلطات في توفير الرعاية الصحية والحياة الكريمة للمحتجزين.
وبدأت الأحداث بوفاة الدكتور جلال عبد الصادق محمد السحلب (71 عاما) الاثنين، بعد معاناة طويلة عاشها في السجن منذ اعتقاله في 24 نوفمبر 2013.
والسحلب أستاذ متفرغ ورئيس قسم الفيزياء الأسبق بكلية العلوم في جامعة أسيوط، قضى مسيرة أكاديمية تجاوزت أربعة عقود، نشر خلالها أبحاثًا علمية في مجالات فيزياء المواد والبلورات والخواص الحرارية والبصرية منذ التسعينيات، وتدرج في السلك الجامعي منذ تعيينه معيدًا عام 1975، وصولًا إلى توليه رئاسة القسم خلال الفترة من 2012 إلى 2013، وأشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه.
وكشفت وفاة السحلب داخل محبسه بعد سنوات طويلة من الاعتقال التعسفي إخفاق السلطات في توفير الرعاية الصحية للمعتقلين كبار السن والمرضى، ما يشكل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامة السجناء، بما في ذلك قواعد نيلسون مانديلا النموذجية لمعاملة السجناء.
وفي حادثة مشابهة؛ توفي المعتقل سامح عامر، في الخمسينيات من العمر، أمس الأربعاء، داخل سجن بدر 3، نتيجة تدهور حالته الصحية بسبب الإهمال الطبي المستمر. وكان عامر يعاني من مشكلات في صمامات القلب، ما يجعله من الفئات التي تحتاج إلى رعاية صحية عاجلة.
وأدت وفاة عامر إلى احتجاجات داخل السجن تضمنت الطرق على الأبواب والهتافات وإشعال البطاطين في بعض الزنازين، ما تسبب في إصابة عدد من المعتقلين بحالات اختناق، بينما نقل بعضهم إلى مستشفى السجن لتلقي العلاج.
وردًا على الاحتجاجات؛ اقتحمت قوات مصلحة السجون بعض القطاعات وأغرقت بعض الزنازين بالمياه، فيما استمرت حالة التوتر حتى فجر الخميس.
وأعلن المعتقلون الدخول في إضراب عن الطعام احتجاجًا على سياسة الإهمال الطبي المستمرة داخل السجون، في خطوة تعكس حجم المعاناة واليأس من السياسات القائمة داخل أماكن الاحتجاز.
وتؤكد هذه الوقائع المسؤولية المباشرة للسلطات عن وفاة محتجزين كبار السن والمرضى، وتبرز إخفاقًا صارخًا في ضمان حياة كريمة وسلامة صحية لهم داخل السجون. كما تسلط الضوء على نقص الرقابة والشفافية، وغياب التزام النظام بالمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الصحة وكرامة الإنسان.
وتستدعي هذه الأحداث فتح تحقيق عاجل وشفاف ومستقل للكشف عن ملابسات وفاة السجناء، وضمان محاسبة المسؤولين عن أي تقصير طبي، ومراجعة أوضاع الاحتجاز بما يضمن توفير الرعاية الصحية المتخصصة والفورية لكل محتجز يحتاجها، وتمكين جهات رقابية مستقلة من زيارة السجون والاطلاع على أوضاعها، والإفراج الإنساني عن كبار السن والمرضى وفقًا للقوانين.
ويعكس تكرار هذه الحوادث وامتداد الإضرابات عن الطعام، حجم الأزمة المستمرة داخل السجون المصرية، ويبرز فشل الحكومة في الالتزام بالمعايير الدولية والوطنية لحقوق الإنسان، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع المزيد من الوفيات والإهمال داخل أماكن الاحتجاز وضمان حماية حياة المحتجزين وكرامتهم الإنسانية.




























