تتواصل جرائم القتل في البلدات العربية داخل أراضي عام 1948 بوتيرة متسارعة، في مشهد يعكس تقاعس سلطات الاحتلال الإسرائيلي المتعمد عن أداء واجباتها القانونية في حماية المواطنين العرب، وتغاضيها المقصود عن تنامي نفوذ عصابات الجريمة المنظمة وانتشار السلاح داخل المجتمع العربي تحديداً، بما يكرّس بيئة إفلات شبه كاملة من العقاب ويحوّل العنف إلى ظاهرة مستمرة.
وخلال ساعات الليل الماضية وفجر وصباح اليوم الخميس، قُتل خمسة أشخاص في جرائم إطلاق نار متفرقة داخل البلدات العربية، لترتفع الحصيلة الإجمالية لضحايا جرائم القتل منذ مطلع العام الجاري إلى 42 قتيلاً، بينهم 12 ضحية منذ بداية الشهر الحالي فقط، وهو رقم يعكس تسارعاً خطيراً في وتيرة العنف واتساع دائرته جغرافياً واجتماعياً.
وتوزعت الجرائم بين عدة مناطق؛ إذ قُتل الشاب فريد أبو مبارك (20 عاماً) من بلدة شقيب السلام في النقب إثر تعرضه لإطلاق نار، بينما عُثر في مدينة رهط على الشاب مختار أبو مديغم (22 عاماً)، نجل رئيس بلدية رهط السابق، مقتولاً داخل مركبته.
كما شهدت بلدة يركا جريمتي قتل متتاليتين، إحداهما استهدفت رجلاً في الأربعينيات من عمره، والأخرى طالت الشيخ نجيب حمد أبو ريش أثناء توجهه إلى عمله، في حادثة أثارت حالة واسعة من الصدمة والغضب. وفي مدينة اللد، قُتل حسين صالح أبو رقيق (60 عاماً) رمياً بالرصاص.
وقبل هذه السلسلة بساعات، كان رجل قد قُتل في بلدة الفريديس مساء الأربعاء، ما يعكس حالة انفلات أمني مزمنة داخل المجتمع العربي في الخط الأخضر.
وتتحمل سلطات الاحتلال مسؤولية مباشرة عن حماية الحق في الحياة والأمن الشخصي للسكان الخاضعين لسيطرتها الفعلية، وهو التزام منصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة السادسة المتعلقة بالحق في الحياة، والمادة التاسعة الخاصة بالحق في الأمان الشخصي. غير أن استمرار ارتفاع معدلات القتل داخل البلدات العربية، مقابل ضعف نسب كشف الجرائم وجمع السلاح غير المرخّص، يكشف إخلالاً واضحاً ومتكرراً بهذه الالتزامات.
ويُظهر الواقع الميداني فجوة حادة في مستوى الخدمات الشرطية والوقائية بين البلدات العربية ونظيرتها اليهودية، ما يرسّخ تمييزاً بنيوياً وعنصرية مؤسسية في توزيع الموارد والاهتمام الأمني.
ويتركّز التغاضي الرسمي بصورة لافتة في التجمعات العربية دون غيرها، في ظل علم السلطات بمصادر السلاح ومسارات تهريبه وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقفه، الأمر الذي يمنح عصابات الجريمة مساحة أوسع للتحرك ويعمّق الشعور بانعدام المساواة أمام القانون.
وتعكس الأرقام المتراكمة إخفاقاً ممنهجاً لا حادثاً عابراً؛ إذ سجل عام 2025 حصيلة غير مسبوقة بلغت 252 قتيلاً من المواطنين العرب، وهو رقم قياسي يكشف فشل السياسات الأمنية والاجتماعية المتبعة. ومع مطلع عام 2026، تتكرر المؤشرات ذاتها دون تغيير جوهري، ما يشي باستمرار نهج يقوم على إدارة الأزمة بدلاً من معالجتها جذرياً، ويعزز الانطباع بأن التقصير ليس عرضياً بل جزء من سياسة قائمة.
ولا يقتصر هذا الإخفاق على ضعف التحقيقات، بل يمتد إلى غياب برامج جدية لجمع السلاح، وضعف البنية التحتية للخدمات، وتراكم التمييز الاقتصادي والاجتماعي، وهي عوامل تشكل أرضية خصبة لتنامي العنف المنظم في بيئة يطغى عليها الإحساس بفقدان الحماية الرسمية.
وفي الإطار الدولي؛ يفتح استمرار هذا النمط من العنف الباب أمام مساءلة سلطات الاحتلال على أساس الإخلال المتكرر بواجب حماية الحق في الحياة ومنع التمييز. فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا يكتفي بإدانة الانتهاكات المباشرة، بل يحمّل الدول مسؤولية التقصير حين تفشل بصورة متكررة في اتخاذ التدابير المعقولة لمنع الجرائم أو ملاحقة مرتكبيها بفعالية، ولا سيما عندما يقترن ذلك بنمط تمييزي واضح في التطبيق.
ومع تصاعد أعداد الضحايا واتساع رقعة الجرائم؛ يتكرس واقع أمني هش داخل المجتمع العربي في أراضي 48، يرتبط عضوياً بتقاعس رسمي متعمد وتغاضٍ مقصود ذي طابع تمييزي وعنصري، ما يحوّل الحق في الحياة والأمان إلى مطلب يومي معلّق بانتظار إجراءات قانونية رادعة وإرادة سياسية حقيقية لم تتجسد بعد.

























