في حلقة جديدة من مسار ضرب استقلال القضاء وتصفية الخصوم السياسيين؛ أصدرت هيئة الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس أحكاماً مشددة بحق رئيس الحكومة ووزير الداخلية الأسبق علي العريض وعدد من القيادات الأمنية والسياسية، في ما يعرف بقضية “التسفير” بأحكام تراوحت بين 3 و24 عاماً سجناً، مع إخضاع أغلب المحكوم عليهم لمراقبة إدارية إضافية.
وقضت المحكمة بسجن العريض 24 عاماً بعد أن كان قد حُكم ابتدائياً بـ34 عاماً، كما أصدرت أحكاماً ثقيلة بحق قيادات أمنية بارزة، من بينها الرئيس الأسبق لفرقة حماية الطائرات فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي، إضافة إلى نور الدين قندوز ولطفي الهمامي وهشام السعدي وسامي الشعار، كما شملت الأحكام الناطق الرسمي باسم تنظيم “أنصار الشريعة” المحظور سيف الدين الرايس، مع تفاوت مدد العقوبات والمراقبة الإدارية.
وتمثل هذه الأحكام التي تأتي في سياق سياسي متوتر تعيشه تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في يوليو/تموز 2021، تصعيداً خطيراً في استخدام القضاء كأداة لإعادة هندسة المشهد السياسي عبر العقوبات الزجرية الممتدة، لا عبر صناديق الاقتراع أو المسارات الديمقراطية الطبيعية.
وتعود القضية إلى ملف تسفير شبان تونسيين إلى بؤر التوتر، لا سيما سورية، خلال عامي 2012 و2013. ورغم خطورة هذه الاتهامات بطبيعتها وفق القانون التونسي؛ فإن المعالجة القضائية لها اليوم تطرح إشكاليات جوهرية تتصل بضمانات المحاكمة العادلة، ومبدأ قرينة البراءة، وعدم جواز تحميل المسؤولية الجزائية على أساس المناصب السياسية أو الأمنية التي شغلها المتهمون في فترة سابقة دون إثبات مباشر وقاطع لارتكاب أفعال إجرامية محددة.
وتفقد المحاكمات التي تُبنى على مناخ سياسي مشحون، وتُدار في ظل تضييق واسع على المعارضين والصحافيين ونشطاء المجتمع المدني، بطبيعتها شرط الحياد والاستقلال. فاستقلال القضاء ليس مجرد نص دستوري، بل هو ضمانة أساسية لعدم تحوله إلى أداة بيد السلطة التنفيذية. وعندما تتزامن المحاكمات مع حملات سياسية وإعلامية تستهدف معارضين بعينهم، فإن ذلك يقوض الثقة في عدالة الإجراءات ويفتح الباب أمام شبهة الانتقام السياسي.
إضافة إلى ذلك؛ فإن تجريم أفعال ذات طابع سياسي أو إداري بأثر رجعي، أو توسيع تفسير النصوص الجزائية بشكل يحمّل المسؤولية على أساس الانتماء السياسي أو الموقع الوظيفي، يتعارض مع القاعدة المستقرة في القانون الجنائي التي تحظر التوسع في التجريم أو القياس عليه. العدالة الجنائية لا تقوم على منطق “المناخ العام” أو “المسؤولية السياسية”، بل على أدلة محددة لا لبس فيها تثبت الفعل الجرمي والعلاقة السببية.
ويعكس ما يجري في تونس اليوم مساراً ممنهجاً لإخضاع المجال العام عبر القضاء، وتحويل المحاكم إلى ساحات لتثبيت موازين قوة سياسية جديدة. فبدلاً من معالجة الإخفاقات السابقة عبر آليات المساءلة الشفافة والمستقلة، يجري اللجوء إلى أحكام ثقيلة تُقصي خصوماً وتبعث برسالة ردع واسعة لكل من يفكر في معارضة السلطة القائمة.
وتبدو قضية “التسفير” بهذا الشكل عنواناً لمرحلة يتراجع فيها هامش الحريات وتُختزل فيها العدالة إلى أداة ضبط سياسي. والأخطر أن استمرار هذا النهج يهدد بتقويض ما تبقى من ثقة في المؤسسات، ويكرس واقعاً تصبح فيه المحاكمة وسيلة لإعادة ترتيب المجال السياسي، لا لتحقيق العدالة.


























