لليوم الرابع على التوالي، يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، في ذروة شهر رمضان، تحت غطاء “الدواعي الأمنية” المرتبطة بالتصعيد الإقليمي. غير أن ما يجري يتجاوز مسألة الأمن المؤقت، ويدخل في نطاق انتهاك صارخ ومنهجي لحرية العبادة، وتكريس لسيطرة أحادية على المقدسات الإسلامية في الأراضي المحتلة.
ويمثل إغلاق المسجدين ومنع المصلين من الوصول إليهما عقابا جماعيا واضحا، فحرمان مئات الآلاف من حقهم في الصلاة خلال أيام رمضان، وفرض قيود شاملة على الحركة في البلدة القديمة، وإفراغ الأقصى من المصلين حتى لا يؤدي الصلاة فيه إلا الإمام؛ يكشف أن الهدف هو فرض واقع قسري جديد، لا مجرد ضبط أمني مؤقت.
ولا يترك القانون الدولي مساحة رمادية في هذه المسألة، فاتفاقية جنيف الرابعة تلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام حياة السكان المدنيين وحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حرية الدين. وتحظر المادة 33 العقوبات الجماعية بشكل صريح، وتؤكد أن إغلاق أماكن العبادة الكبرى بسبب أحداث سياسية أو عسكرية خارج إرادة السكان المدنيين هو شكل من أشكال المعاقبة الجماعية، مهما كانت المبررات المعلنة.
وفي القدس؛ يترافق الإغلاق مع تقليص دور الأوقاف الأردنية المشرفة على الأقصى، ومنع إدخال المستلزمات اللوجستية، وتهميش الحراس والموظفين، في خطوة عملية نحو الانفراد بإدارة المسجد وفرض سيادة فعلية بالقوة، في مخالفة للوضع القانوني القائم قبل عام 1967.
أما في الخليل؛ فإن استمرار إغلاق المسجد الإبراهيمي يعمّق واقع التقسيم الذي فُرض بعد مذبحة عام 1994، والتي قُتل فيها 29 مصلياً داخل المسجد. تحويل موقع ديني خالص إلى مساحة خاضعة لتقسيم دائم يخدم طرفاً واحداً، ثم إغلاقه بالكامل أمام المسلمين في رمضان، يكشف أن منطق القوة هو الحاكم، لا القانون ولا العدالة.
ويستثمر الاحتلال كل ظرف أمني لتوسيع قبضته، وكل حرب إقليمية لتضييق الخناق على الفلسطينيين في مقدساتهم، ما يشكل مساسا مباشرا بالكرامة الدينية لجمهور واسع من الفلسطينيين، وانتهاكا واضحا لالتزامات قانونية دولية لا تسقط بذريعة الحرب.
إن ما يجري اليوم يعمّق الإحساس بأن حرية العبادة في الأراضي المحتلة رهينة قرار عسكري، وأن القانون الدولي يُترك جانباً حين يتعلق الأمر بحقوق الفلسطينيين. والمطلوب إنهاء الإغلاق فوراً، وإعادة فتح المسجدين، وضمان عدم تحويل الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم يفرض بالقوة ويُغلف بلغة الأمن.

























