عقدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا مساء الجمعة 22 مايو/أيار 2026 ندوة بعنوان: “الاعتقال التعسفي وانهيار منظومة العدالة وأحكام الإعدام في مصر”، تناولت خلالها التصاعد المستمر في انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، بما في ذلك الاعتقال التعسفي واسع النطاق، وأحكام الإعدام الصادرة عقب محاكمات جائرة، والانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير والعمل الصحفي، إضافة إلى سياسات العقاب الجماعي واستهداف المعارضين المصريين في الخارج. كما سلطت الندوة الضوء على صمت المجتمع الدولي واستمرار الدعم الغربي للنظام المصري رغم تفاقم الأزمة الحقوقية.
وشارك في الندوة عدد من الأكاديميين والصحفيين والخبراء الدوليين، وهم: ويليام شاباس، أستاذ القانون الدولي بجامعة ميدلسكس، ومايكل بينيون، الصحفي الدولي والمحرر الدبلوماسي السابق لصحيفة ذا تايمز البريطانية، وستيفن زونس، أستاذ الأمن الدولي والسياسة الخارجية بجامعة سان فرانسيسكو، وكالفن دارك، المحلل السياسي الأمريكي، ومارتن بلوت، الكاتب والصحفي البريطاني، والبروفيسور دان كوفاليك، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة بيتسبرغ.
البروفيسور ويليام شاباس، أستاذ القانون الدولي في جامعة ميدلسكس، خصص مداخلته للحديث عن ملف عقوبة الإعدام في مصر، وهو الملف الذي أوضح أنه يتابعه عن كثب منذ أكثر من ثلاثة عقود من خلال عمله داخل الأمم المتحدة. وأوضح شاباس أنه كان مسؤولاً عن إعداد التقرير الأممي الصادر كل خمس سنوات حول أوضاع عقوبة الإعدام في العالم، ما يمنح تقييمه لسجل مصر في هذا المجال أهمية خاصة.
وسلط شاباس الضوء على أن مصر لا تزال ضمن مجموعة صغيرة جداً من الدول التي تواصل استخدام عقوبة الإعدام بشكل واسع ومنهجي. ورغم إشارته إلى أن أعداد الإعدامات انخفضت نسبياً مقارنة بالذروة التي شهدتها البلاد قبل نحو خمس سنوات، فإنه أكد أن السلطات المصرية ما تزال تنفذ ما بين عشرين إلى ثلاثين حكماً بالإعدام سنوياً، إلى جانب إصدار أعداد كبيرة من أحكام الإعدام الأخرى، كثير منها يأتي عقب محاكمات وصفها بأنها شديدة الإشكالية. ووضع شاباس مصر إلى جانب دول مثل الصين وإيران والسعودية من حيث استمرار الاعتماد المكثف على هذه العقوبة، مؤكداً أن مصر تُعد من بين أسوأ دول العالم في هذا الملف.
كما تحدث شاباس عن العزلة الدولية المتزايدة للدول التي لا تزال تستخدم عقوبة الإعدام بصورة منتظمة، موضحاً أن نحو 170 دولة حول العالم لم تعد تطبق هذه العقوبة، وأن معظمها ألغتها قانونياً بشكل كامل، بينما لا يتجاوز عدد الدول التي ما تزال تستخدمها بشكل منتظم خمس عشرة أو ست عشرة دولة فقط. وأشار إلى أن عقوبة الإعدام تُعد من أوضح المؤشرات الحقوقية التي يمكن قياسها بدقة، بخلاف انتهاكات أخرى مثل التعذيب أو التمييز، ولذلك فإن موقع مصر في هذا التصنيف يضعها بين أكثر الدول قسوة في استخدام الإعدام على مستوى العالم.
البروفيسور ستيفن زونز، أستاذ الأمن الدولي والسياسة الخارجية في جامعة سان فرانسيسكو، ركز في مداخلته على الدور الأمريكي في تمكين واستمرار القمع في مصر، معتبرًا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، واصلت حماية السلطات المصرية من أي محاسبة حقيقية رغم سجلها الواسع في انتهاكات حقوق الإنسان. وأشار زونز إلى أن إدارة دونالد ترامب، رغم تقليصها الكبير للمساعدات الخارجية، استثنت مصر من هذه التخفيضات، مذكراً بأن ترامب وصف عبد الفتاح السيسي علناً بأنه “ديكتاتوره المفضل”. كما أوضح أن ترامب وبايدن استخدما بصورة متكررة الاستثناءات المرتبطة بالأمن القومي للالتفاف على القيود التي وضعها الكونغرس بشأن ربط المساعدات العسكرية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر.
وسلط زونز الضوء على استمرار تقديم الولايات المتحدة ما يقارب 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لمصر، رغم وجود نحو 60 ألف معتقل سياسي داخل السجون المصرية، بينهم مواطنون أمريكيون. وتحدث عن حالات تعذيب ووفيات داخل السجون، إلى جانب سياسات العقاب الجماعي التي استهدفت أقارب مصريين أمريكيين بسبب انتقادهم للسلطات المصرية من الخارج. كما أشار إلى حوادث قال إن عناصر أمنية مصرية تورطت فيها داخل الأراضي الأمريكية، من بينها الاعتداء على أمريكيين أمام منشآت دبلوماسية مصرية في نيويورك، إضافة إلى إرسال جواسيس لمراقبة المعارضين المصريين في الولايات المتحدة. واعتبر زونز أن هذه الممارسات كان يفترض أن تؤدي قانونياً إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية الأمريكية، إلا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاهلت ذلك بصورة مستمرة.
وفي حديثه عن السياق السياسي الأوسع، رأى زونز أن المبررات التي تستخدمها واشنطن منذ عقود للاستمرار في دعم النظام المصري، خصوصاً ما يتعلق بالحفاظ على السلام مع إسرائيل، أصبحت مبررات ضعيفة ومستهلكة. وذكّر بأن إدارة أوباما استأنفت المساعدات العسكرية بعد انقلاب 2013 رغم وجود قوانين أمريكية تمنع تقديم الدعم لحكومات وصلت إلى السلطة عبر الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطياً. كما تحدث عن محاولات السلطات المصرية تصوير العمل المدني والنشاط الديمقراطي باعتباره مؤامرة أجنبية، مشيراً إلى اتهامات وجهت له شخصياً بسبب مشاركته قبل سنوات في ورش عمل تعليمية حول أساليب المقاومة المدنية في القاهرة. واختتم مداخلته بالدعوة إلى تحرك أوسع داخل الولايات المتحدة والدول الحليفة للضغط من أجل تغيير السياسات التي تستمر في تمويل وحماية القمع في مصر.
انطلاقاً من خبرته الطويلة مع الملف المصري والممتدة لأكثر من خمسة عقود، تحدث الصحفي البريطاني المخضرم والمراسل الدولي مايكل بينيون عن التدهور الكبير الذي شهدته حرية الصحافة والحياة السياسية في مصر. واستعاد بينيون ذكرياته مع مصر منذ زيارته الأولى عام 1963، ثم تغطيته للحرب في سيناء عام 1973، حيث تابع عن قرب تطورات سياسية وعسكرية كبرى وظل على صلة بالشأن المصري عبر عقود متتالية. وقال إنه رغم المكانة التاريخية لمصر وما كانت تتمتع به من بيئة صحفية مؤثرة، فإن وضع الصحافة اليوم أصبح “قاتماً للغاية”، في ظل أجواء من الارتياب والترهيب والقمع المتزايد ضد الصحفيين والمنتقدين.
وركز بينيون بشكل خاص على استخدام عقوبة الإعدام وأحكام السجن القاسية كوسيلة لإسكات الصحفيين ومنع التغطية المستقلة. وأوضح أن مجرد التهديد بالإعدام، حتى في الحالات التي لا تُنفذ فيها الأحكام، يخلق مناخاً من الخوف والترهيب لكل من الصحفيين المصريين والأجانب الذين يعملون على ملفات حساسة. واعتبر أن السلطات المصرية أصبحت شديدة الحساسية تجاه أي تقارير تتناول وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة أو تكشف انتهاكات حقوق الإنسان. كما أشار إلى استهداف صحفيي الجزيرة وتهديدهم ومحاكمتهم بسبب تغطيات اعتبرتها السلطات المصرية معادية للحكومة.
وفي حديثه عن الموقف الدولي، انتقد بينيون ضعف تفاعل بريطانيا والحكومات الغربية مع أزمة حقوق الإنسان في مصر، معتبراً أن مصر أصبحت إلى حد كبير “خارج الرادار” السياسي رغم حجم القمع القائم فيها. وأشار إلى أن قضية الناشط علاء عبد الفتاح كانت من الحالات القليلة التي حظيت باهتمام واسع داخل بريطانيا بسبب وجود عائلته هناك. كما تطرق إلى مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني داخل الاحتجاز في مصر بعد اتهامه بالإرهاب، معتبراً أن القضية تجسد المخاطر التي تواجه الباحثين والمنتقدين داخل البلاد. وختم بالتأكيد على أن استخدام الإعدامات والترهيب والسجن الطويل ضد المعارضين والصحفيين يمثل وصمة خطيرة في سجل مصر الحقوقي، داعياً الحكومات الغربية إلى طرح هذه الملفات بشكل مباشر مع المسؤولين المصريين بدلاً من الاستمرار في تجاهلها.
المحلل السياسي الأمريكي كالفن دارك تناول ملف حقوق الإنسان في مصر من زاوية تربط بشكل مباشر بين الانتهاكات الجارية ومسؤولية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. ومن خلال خبرته في متابعة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، شدد دارك على أن حقوق الإنسان لا يجب أن تُعامل باعتبارها “زينة في السياسة الخارجية”، بل كمبدأ أخلاقي أساسي يجب أن ينطبق على جميع الحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها. وأقر بأن واشنطن ما تزال تنفذ أحكام إعدام داخل أراضيها، منتقداً توجه إدارة ترامب نحو توسيع استخدام هذه العقوبة، معتبراً أن ذلك يضعف مصداقية الولايات المتحدة عندما تنتقد الانتهاكات في دول أخرى.
وفي حديثه عن ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وصف دارك الأزمة الحقوقية بأنها ليست مجرد تجاوزات متفرقة، بل منظومة قمع مؤسسية ومتصاعدة. وأشار إلى الارتفاع الكبير في أعداد الإعدامات خلال عام 2025، واستمرار إصدار مئات أحكام الإعدام، وغياب أي عفو رئاسي عن المحكومين، باعتبار ذلك مؤشراً على تفاقم أزمة عقوبة الإعدام في البلاد. كما تحدث عن استمرار احتجاز المعتقلين السياسيين لسنوات طويلة دون محاكمات عادلة، بما في ذلك إعادة تدوير القضايا لإبقاء المعتقلين رهن الاحتجاز إلى أجل غير محدد. واعتبر أن هذه السياسات لا تدمر حياة المعتقلين فقط، بل تمتد آثارها إلى عائلاتهم التي تعيش تحت الضغوط والقيود المستمرة.
ورأى دارك أن أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الأوضاع في مصر هو صمت المجتمع الدولي وتواطؤه، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة. وانتقد الإدارات الأمريكية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية، بسبب تقديمها المصالح الاستراتيجية والتعاون العسكري على حساب حماية حقوق الإنسان، رغم مليارات الدولارات التي تقدمها واشنطن للقاهرة. وقال إن كل استثناء يتعلق بشروط حقوق الإنسان، وكل صفقة سلاح، وكل ظهور علني إلى جانب عبد الفتاح السيسي، يمثل رسالة دعم للنظام وليس مساءلة له. وفي ختام مداخلته، دعا دارك إلى تبني سياسة أمريكية جديدة تضع حماية حقوق الإنسان على نفس مستوى التعاون العسكري والاستخباراتي، مؤكداً أن “الاستقرار ليس مرادفاً للإفلات من العقاب”.
ركز الصحفي والكاتب البريطاني مارتن بلوت في مداخلته على ما وصفه بالصمت الدولي والإقليمي الواسع تجاه التدهور المستمر في أوضاع حقوق الإنسان في مصر. وتطرق إلى قضية الناشط علاء عبد الفتاح، مشيراً إلى أن الأمر استغرق اثني عشر عاماً من السجن، إلى جانب إضراب طويل عن الطعام خاضته والدته وكادت أن تفقد حياتها خلاله، قبل أن يظهر أي ضغط حقيقي من أجل الإفراج عنه. واعتبر بلوت أن غياب التحرك الدولي الجاد يعكس فشلاً أوسع لدى الحكومات والمؤسسات الدولية في مواجهة القمع المتواصل داخل مصر.
ووجه بلوت انتقادات حادة ليس فقط لبريطانيا والولايات المتحدة والدول الغربية، بل أيضاً للجامعة العربية والاتحاد الإفريقي. وتساءل عن سبب صمت هذه المؤسسات، التي تصدر باستمرار بيانات حول انتهاكات حقوق الإنسان في دول أخرى، عندما يتعلق الأمر بانتهاكات ترتكبها دول أعضاء فيها. واعتبر أن هذا الصمت يرقى إلى مستوى التواطؤ، مؤكداً أن هذه المؤسسات فشلت في أداء واجبها تجاه شعوبها وتحولت إلى مجرد واجهات تدافع عن الحكومات بدلاً من الدفاع عن المواطنين وحقوقهم. كما رأى أن هذا النمط من الصمت ليس جديداً، بل ممتد منذ تأسيس هذه المؤسسات.
وفي حديثه عن التداعيات الإقليمية الأوسع، حذر بلوت من آثار السياسات المصرية على المنطقة، منتقداً طريقة التعامل مع اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب في السودان، معتبراً أن السلطات المصرية لم تقدم الدعم الكافي لهم. كما أبدى قلقه من التقارب المتزايد بين مصر وإريتريا في ظل التوترات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، محذراً من أن التحالفات الإقليمية الجديدة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي وفتح الباب أمام صراعات أوسع تمتد إلى ما هو أبعد من السودان. وختم بالتأكيد على أن هذه الأزمات السياسية والإنسانية المتشابكة لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي رغم خطورتها الكبيرة.
واستهل البروفيسور دان كوفاليك، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة بيتسبرغ، مداخلته باستعادة تجربته الشخصية مع الاعتقال في مصر قبل فترة ليست ببعيدة، بعدما احتجزته السلطات المصرية مع مجموعة من النشطاء عقب تنظيمهم مؤتمراً صحفياً أمام السفارة الأمريكية في القاهرة أثناء محاولتهم التوجه إلى معبر رفح لإدخال مساعدات إنسانية إلى غزة. وقال كوفاليك إن السلطات اعتبرت المؤتمر الصحفي تظاهرة غير مرخصة، وقامت باعتقال عشرة أشخاص، معظمهم أمريكيون. وانطلاقاً من هذه التجربة، وصف مصر بأنها “دولة بوليسية شديدة القمع” تعمل، بحسب تعبيره، لخدمة مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من خدمة شعبها.
وربط كوفاليك بين القمع الداخلي في مصر والسياق الإقليمي الأوسع، خصوصاً الحرب على غزة والدفاع عن القضية الفلسطينية. وأشار إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، من بينهم أشخاص سُجنوا بسبب دعمهم للفلسطينيين أو معارضتهم للتدخل الأمريكي في المنطقة. كما أدان استخدام الإعدامات والقمع العنيف ضد المعارضين السياسيين، معتبراً أن الأمر يصبح أكثر فظاعة في ظل ما وصفه بـ”الإبادة الجماعية” الجارية في غزة. واعتبر أن الأجهزة الأمنية المصرية تُستخدم ليس فقط لقمع الأصوات الداخلية، بل أيضاً لحماية ترتيبات سياسية إقليمية تخدم واشنطن وتل أبيب.
وفي حديثه عن المسار السياسي لمصر، قارن كوفاليك بين المرحلة الحالية وفترة جمال عبد الناصر، التي قال إنها مثلت دوراً إقليمياً مستقلاً في مواجهة النفوذ الغربي والإسرائيلي. واتهم الإدارة الحالية بالخضوع للمصالح الجيوسياسية الغربية واستخدام “القبضة الحديدية” لإسكات المعارضة والحفاظ على السلطة. كما حمّل الولايات المتحدة مسؤولية دعم النظام الذي تشكل بعد 2013، معتبراً أن واشنطن ساهمت في تقويض الديمقراطية بدلاً من الدفاع عنها. وختم بالتعبير عن أمله في أن يتمكن المصريون مستقبلاً من إعادة بناء نظام سياسي يعكس فعلاً إرادة الشعب المصري.


























