عقدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ندوة بعنوان “تونس تحت القمع: تصاعد القمع السياسي والاعتقالات التعسفية”، ناقشت خلالها التدهور المتسارع في أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة في تونس، في ظل تصاعد حملات الاعتقال التعسفي، وتوسع استهداف المعارضين السياسيين والصحفيين والنشطاء، إلى جانب تصاعد المخاوف من انهيار استقلال القضاء وعودة الممارسات السلطوية التي أعقبت استحواذ الرئيس قيس سعيّد على السلطات في يوليو 2021.
واستضافت الندوة كلًا من المنصف المرزوقي، وراما فاليدن، وسارة فلوندرز، وكوثر الفرجاني، ويسرى الغنوشي، وأيدان وايت، وجيم موران، حيث تناول المتحدثون واقع القمع السياسي في تونس، وأوضاع المعتقلين السياسيين، والانتهاكات المتصاعدة ضد حرية التعبير والصحافة، إلى جانب سبل تعزيز التضامن الدولي مع ضحايا القمع والاستبداد في البلاد.
في مداخلته، بدأ المنصف المرزوقي حديثه باستعادة لحظة شخصية مؤلمة عندما عاد قبل نحو عامين إلى مقر منظمة العفو الدولية في لندن، وهو المكان نفسه الذي اعتاد الوقوف أمامه في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في تونس. وأوضح أنه ذهب حينها لمناقشة أوضاع عدد من السجناء السياسيين، بينهم سهام بن سدرين وراشد الغنوشي، اللذان قال إنهما كانا يواجهان أوضاعًا صحية صعبة داخل السجون. وأشار إلى أن تلك اللحظة جعلته يشعر بألم شديد بعدما أدرك أن تونس والعالم العربي عادا إلى النقطة نفسها بعد عقود من النضال، معتبرًا أن الأنظمة الاستبدادية استعادت سيطرتها رغم ما حملته ثورات الربيع العربي من آمال بالتغيير.
وسلط المرزوقي الضوء على ما وصفه بعودة “الأفعى” الاستبدادية بكل أدواتها القديمة، من امتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين، وانهيار حرية الصحافة، وعودة المحاكمات الجائرة والانتخابات التي تفتقد للنزاهة. واتهم الرئيس التونسي قيس سعيّد بإقصاء خصومه السياسيين وسجنهم قبل تنظيم انتخابات وصفها بالمزيفة. وخلال حديثه كرر عبارته “إذا عادت الأفعى نعود إليها بالنعال”، معتبرًا أن مواجهة الاستبداد تتطلب الاستمرار في النضال وعدم الاستسلام أو الإحباط. كما شدد على أهمية فضح الانتهاكات والتشهير بالجهات الدولية التي تواصل دعم الأنظمة القمعية رغم ادعائها الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفي ختام مداخلته، وجه المرزوقي رسالة تضامن إلى السجناء السياسيين في تونس وفي مختلف دول المنطقة، بما فيها الإمارات ومصر، واصفًا إياهم بـ”أسرى الحرية” الذين يدفعون ثمن دفاعهم عن الكرامة والديمقراطية. كما دعا إلى مخاطبة الرأي العام البريطاني والدولي من أجل كشف حقيقة ما يجري داخل السجون العربية، مؤكدًا أن استمرار الأنظمة الاستبدادية يعود جزئيًا إلى الدعم الخارجي والصمت الدولي. وختم بالتأكيد على أن النضال ضد الاستبداد سيستمر مهما طال الزمن، وأن أصحاب القضايا العادلة هم من سينتصرون في النهاية مهما اشتدت حملات القمع والتضييق.
في محور تناول أوضاع المعتقلين السياسيين وتصاعد القمع في تونس، بدأت كوثر فرجاني مداخلتها بالحديث عن شعورها بأن المشهد الحالي يعيد نفسه بصورة مؤلمة، مشيرة إلى أن العديد من النشطاء والمعارضين التونسيين اضطروا قبل عقود إلى اللجوء إلى بريطانيا هربًا من القمع والسجون والتعذيب. وأوضحت أن والدها، المعتقل السياسي والقيادي المعارض سعيد الفرجاني، كان من أوائل السجناء السياسيين التونسيين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة قبل أكثر من أربعين عامًا بعد خروجه من السجن وهو يعاني من إصابات خطيرة جراء التعذيب، بينها كسر في الظهر. ولفتت إلى أن والدها، الذي يبلغ اليوم 71 عامًا، يقبع مجددًا في السجن منذ أكثر من ثلاث سنوات ويواجه أحكامًا تراكمية تصل إلى 26 عامًا، معتبرة أن مثل هذه الأحكام بحق المعتقلين كبار السن تمثل “أحكام إعدام غير معلنة وتتم دون أي رقابة دولية حقيقية”.
كما سلطت الضوء على قضية راشد الغنوشي، الذي وصفته بأنه أكبر سجين سياسي سنًا في العالم العربي وربما في العالم، مؤكدة أن معاناته لا تحظى بالاهتمام الكافي من المنظمات الحقوقية الدولية.
ولمّحت فرجاني إلى وجود انتقائية واضحة في التعاطي مع ملف المعتقلين السياسيين في تونس، منتقدة ما وصفته بتركيز عدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية على المعتقلين ذوي التوجهات العلمانية، مقابل تجاهل أعداد كبيرة من المعتقلين المنتمين إلى حركة النهضة. وأشارت إلى أن العديد من هؤلاء المعتقلين، رغم تقدمهم في السن وتدهور أوضاعهم الصحية، لم يحظوا بأي تمثيل أو اهتمام حقيقي خلال السنوات الثلاث الماضية. كما استحضرت تاريخ والدها وعدد من قيادات المعارضة الذين دافعوا، خلال فترات الاستبداد السابقة، عن حقوق جميع السجناء السياسيين بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية، بمن فيهم خصومهم من التيارات اليسارية، مؤكدة أن الدفاع عن الحرية والديمقراطية لا يمكن أن يكون انتقائيًا أو مرتبطًا بالانتماءات السياسية.
وفي ختام مداخلتها، دعت كوثر فرجاني الحاضرين والجاليات التونسية والمهتمين بالشأن الحقوقي إلى ممارسة ضغوط أكبر على البرلمانيين والمنظمات الدولية من أجل تسليط الضوء على أوضاع جميع المعتقلين السياسيين، وخاصة أولئك الذين لا تحظى قضاياهم بتغطية إعلامية أو حقوقية واسعة. كما ربطت بين استمرار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية وبين محدودية قدرة الشعوب العربية على دعم الفلسطينيين بشكل فعّال في ظل القمع وتكميم الأصوات. واختتمت بالتأكيد على ضرورة عدم نسيان السجناء السياسيين في تونس، خصوصًا كبار السن الذين أمضى بعضهم عقودًا كاملة بين السجون في ظل الأنظمة التونسية المتعاقبة.
في مداخلتها، أعربت سارة فلاوندرز عن تضامنها الكامل مع الشعب التونسي في مواجهة ما وصفته بالتصاعد اليومي للقمع السياسي والانحدار الخطير نحو الحكم السلطوي، معتبرة أن ما يجري يمثل تراجعًا واضحًا عن المكاسب الديمقراطية التي تحققت خلال العقد الماضي. وأشارت إلى أن السلطات التونسية تستهدف بشكل متزايد المعارضين السياسيين والصحفيين والنشطاء والمحامين وحتى القضاء ووسائل الإعلام، مؤكدة أن حالة القمع لم تعد تقتصر على طرف سياسي بعينه بل أصبحت تطال مختلف الأصوات المنتقدة للسلطة.
وسلطت فلاوندرز الضوء على الترابط بين ما يحدث في تونس وما تشهده المنطقة عمومًا، بما في ذلك العدوان المستمر على الفلسطينيين، معتبرة أن الأنظمة القمعية تلجأ إلى التضييق وإخماد الحركات الشعبية في ظل أزمات اقتصادية وسياسية متفاقمة. كما شددت على ضرورة إبقاء قضية المعتقلين السياسيين، وخاصة السجناء القدامى الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، في صدارة الاهتمام الحقوقي والإعلامي، مؤكدة أن هؤلاء يجب ألا يتم نسيانهم مهما طال الزمن. وفي ختام حديثها، أشادت بدور المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا في تسليط الضوء على الانتهاكات الجارية في تونس، معتبرة أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من العمل الحقوقي والتضامن الدولي.
وفي مداخلتها، حذرت يسرى الغنوشي من أن الأوضاع في تونس تشهد تدهورًا متسارعًا وخطيرًا في ظل غياب الاهتمام والرقابة الدولية الكافية. وأوضحت أن انشغال العالم بالحروب والصراعات الدولية لا يجب أن يحجب ما يجري في تونس، معتبرة أن ما يحدث فيها يعكس ظواهر أوسع على مستوى المنطقة والعالم، من بينها صعود الشعبوية وعودة الأنظمة السلطوية وتقويض المكتسبات الديمقراطية. وأشارت إلى أن تونس، التي كانت بعد ثورة 2011 واحدة من أسرع التجارب الديمقراطية تطورًا في المنطقة العربية، تحولت اليوم إلى واحدة من أسرع النماذج انحدارًا نحو الاستبداد.
كما سلطت الضوء على التراجع الحاد في مؤشرات حرية الصحافة، موضحة أن تونس فقدت عشرات المراتب منذ استحواذ الرئيس قيس سعيّد على السلطات في يوليو 2021، في خطوة وصفتها بالانقلاب غير الدستوري على الديمقراطية التونسية.
وتناولت الغنوشي اتساع دائرة القمع السياسي في البلاد، مؤكدة أن الاعتقالات لم تعد تقتصر على السياسيين المعارضين، بل أصبحت تشمل الصحفيين والمدونين والقضاة والنشطاء الحقوقيين والمتضامنين مع فلسطين وحتى مواطنين عاديين تتم ملاحقتهم بموجب قوانين إلكترونية وصفتها بالقمعية. كما تحدثت بإسهاب عن قضية والدها راشد الغنوشي، الرئيس المنتخب للبرلمان وزعيم حركة النهضة، مشيرة إلى أنه عاد مجددًا ليصبح سجينًا سياسيًا في عمر الخامسة والثمانين بعد أن سبق أن تعرض للسجن في شبابه خلال فترات الحكم الاستبدادي السابقة. وأكدت أنه محتجز منذ أكثر من ثلاث سنوات ويواجه عشرات القضايا والأحكام التي تجاوز مجموعها سبعين عامًا، في ظل ما وصفته بمحاكمات تفتقر لأي استقلال قضائي أو أدلة حقيقية، وتعتمد على اتهامات مفبركة وشهادات مجهولة وأحكام معدة مسبقًا. كما أشارت إلى قرار فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، الذي اعتبر احتجاز راشد الغنوشي تعسفيًا وطالب بالإفراج عنه.
وفي الجزء الأخير من مداخلتها، أوضحت يسرى الغنوشي أن حملات القمع لم تعد تستهدف المعتقلين السياسيين وحدهم، بل امتدت لتشمل أفراد عائلاتهم أيضًا. وكشفت أن شقيقها حُكم عليه مؤخرًا بالسجن ثلاثين عامًا، ليرتفع مجموع الأحكام الصادرة بحقه إلى نحو مئة عام، بينما تعرضت شقيقتاها، وهما أكاديميتان لا تنشطان سياسيًا، لأحكام تراكمية تجاوزت 230 عامًا.
واعتبرت أن هذه الأحكام تهدف إلى معاقبة العائلات بسبب دفاعها عن الديمقراطية ورفضها الصمت. ورغم تصاعد القمع، شددت الغنوشي على أن استمرار الحاجة إلى هذا المستوى من القمع يثبت أن الاستبداد لم يتمكن بعد من ترسيخ نفسه بالكامل في تونس بعد المكاسب التي حققتها الثورة، مؤكدة أن صمود المعتقلين السياسيين والمدافعين عن الديمقراطية يستحق استمرار الدعم والتضامن الدولي.
وفي مداخلته، وجه جيم موران انتقادات حادة للرئيس التونسي قيس سعيّد، معتبرًا أنه خان المبادئ والأهداف التي قامت من أجلها الثورة التونسية وما عُرف لاحقًا بالربيع العربي. وأوضح أن تونس كانت تمثل الأمل الأكبر في المنطقة لبناء نموذج ديمقراطي قائم على احترام الدستور وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والمؤسسات المستقلة والمجتمع الشامل، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التونسيين دفعوا ثمنًا باهظًا لتحقيق تلك الأهداف. كما لفت إلى أن قيس سعيّد، رغم خلفيته كأستاذ وخبير في القانون الدستوري، أصبح ينتهك الدستور بشكل يومي ويقوض سيادة القانون بدلًا من حمايتها.
وسلط موران الضوء على ما وصفه بانهيار استقلال القضاء وتحول المحاكم إلى أدوات لخدمة السلطة السياسية، مؤكدًا أن السلطات الحالية تستخدم القضاء لقمع المعارضين واستهداف الصحفيين وكل من يحاول كشف الحقيقة أو الدفاع عن مصلحة الشعب التونسي. وأضاف أن الرئيس التونسي يسعى لترسيخ بقائه في الحكم من خلال تلفيق الاتهامات لخصومه السياسيين ومنع أي انتخابات حرة وشفافة، معتبرًا أن البلاد باتت تتجه نحو ترسيخ الديكتاتورية بدلًا من الديمقراطية.
كما أعرب عن خشيته من أن يؤدي انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى في المنطقة إلى تجاهل ما يجري في تونس، ما يسمح للسلطة الحالية بمواصلة إحكام قبضتها على البلاد.
وفي ختام مداخلته، دعا موران إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين، مطالبًا المؤسسات الدولية والحكومات الغربية بدعم قوى المعارضة والمدافعين عن الديمقراطية في تونس. وأكد أن الشعب التونسي يستحق قيادة تحترم تطلعاته بدلًا من تعميق القمع والانحدار السياسي.
كما أشاد بدور المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا في تسليط الضوء على الأزمة التونسية، مؤكدًا أن ما يحدث في البلاد يستحق اهتمامًا وتضامنًا دوليين أكبر بكثير.
وفي مداخلته، تحدث راما فاليدن عن حالة الإحباط التي أصابت كثيرين في إفريقيا بعد التراجع الديمقراطي الذي شهدته تونس عقب الآمال الكبيرة التي رافقت ثورة 2011. وأوضح أن تونس كانت تُنظر إليها في موريشيوس وفي العديد من الدول الإفريقية كنموذج واعد يمكن أن يقدم مثالًا ناجحًا للديمقراطية وبناء المؤسسات واحترام الدستور وحقوق الإنسان في القارة الإفريقية.
واعتبر أن الرئيس قيس سعيّد لم يخن فقط تطلعات الشعب التونسي، بل خيب أيضًا آمال كثير من الأفارقة الذين رأوا في التجربة التونسية فرصة تاريخية لإلهام التحولات الديمقراطية في المنطقة. كما أشار إلى أن الوعي بما يجري في تونس داخل موريشيوس لا يزال محدودًا، وأن عددًا قليلًا فقط يدرك حجم التدهور السياسي والحقوقي الحاصل.
وسلط فاليدن الضوء على جهود يجري التحضير لها من قبل مجموعة من المحامين والنشطاء في موريشيوس لإطلاق حملات توعية حول تدهور الديمقراطية وتصاعد الحكم السلطوي في تونس. وأكد أن نشر الوعي داخل إفريقيا بشأن أوضاع المعتقلين السياسيين وتراجع الحريات في تونس يمثل خطوة ضرورية للضغط على الحكومات والمؤسسات الإفريقية من أجل التحرك. كما أشار إلى إمكانية دراسة مسارات قانونية عبر المؤسسات الإفريقية، بما في ذلك المحكمة الإفريقية، للطعن في بعض حالات الاعتقال التعسفي والانتهاكات السياسية الجارية في تونس.
ولفت فاليدن إلى أوجه الشبه بين الحملات الدولية التي كانت تُبنى حول قضية نيلسون مانديلا خلال فترة مقاومة نظام الفصل العنصري، وبين إمكانية تحويل قضية راشد الغنوشي إلى رمز دولي للنضال من أجل الحرية والديمقراطية في تونس. واعتبر أن السجناء السياسيين الذين يواصلون الصمود رغم تقدمهم في السن وطول سنوات السجن يتحولون عادة إلى رموز لقضايا الحرية والكرامة. وفي ختام مداخلته، أكد تضامنه مع المعتقلين السياسيين في تونس، متعهدًا بمواصلة الجهود داخل موريشيوس وعلى مستوى القارة الإفريقية لرفع الوعي بما يجري في البلاد ودعم النضال من أجل الحريات الديمقراطية.




























