نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال الليلة الماضية وحتى صباح الخميس، حملة اعتقالات وتحقيقات ميدانية طالت نحو 95 فلسطينيا في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، في واحدة من أوسع حملات التوقيف الجماعي التي تشهدها المنطقة، فيما سجلت التحقيقات الميدانية العدد الأكبر من الحالات.
وتركزت الحملة في بلدة عقابا بمحافظة طوباس، وبلدة مادما بمحافظة نابلس، ومدينة يطا جنوب الخليل، إلى جانب مناطق في جنين وبيت لحم والبيرة، فيما شهدت مدينة قلقيلية حملة اعتقالات طالت أسرى محررين وأفرادا من عائلات أسرى، بالتزامن مع اقتحام عشرات المنازل، بينها منزل رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان.
ورافقت عمليات الاقتحام اعتداءات على المواطنين وتخريب وتدمير لمحتويات المنازل، في مشاهد تعكس اتساع نطاق القوة التي يستخدمها الاحتلال في التعامل مع السكان الفلسطينيين، وتحول الاعتقال والتحقيق الميداني إلى ممارسة جماعية تتجاوز ملاحقة أفراد محددين إلى إخضاع أحياء وبلدات كاملة للتفتيش والتوقيف والاستجواب.
وبموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يجوز إخضاع المدنيين للاعتقال أو الاحتجاز بصورة تعسفية، كما أن سلب الحرية يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وأن يخضع لإجراءات وضمانات قضائية تكفل حق المحتجز في معرفة أسباب توقيفه والطعن في قانونيته والحصول على معاملة إنسانية.
وتزداد خطورة التحقيقات الميدانية عندما تجري في ظروف الاقتحام العسكري، ومن دون ضمانات إجرائية كافية، أو تقترن بالضرب والإهانة والتهديد والتخريب. فحظر التعذيب وسوء المعاملة حظر مطلق، ولا تبرره الظروف الأمنية أو طبيعة العمليات العسكرية.
كما يفرض القانون الدولي الإنساني على القوة القائمة بالاحتلال حماية السكان المدنيين واحترام كرامتهم، ويحظر العقوبات الجماعية وأعمال العنف أو التهديد بها، فضلا عن التدمير غير المبرر للممتلكات. ولا يمنح الاحتلال سلطة مفتوحة في اعتقال السكان أو إخضاعهم لإجراءات قسرية خارج الضرورة التي يجيزها القانون.
وتأتي هذه الحملة في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين على البلدات والقرى والأراضي الفلسطينية، ولا سيما خلال موسم قطف الزيتون، بالتزامن مع استمرار الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستعمرات والاعتداء على الممتلكات.
وبذلك لا تجري الاعتقالات بمعزل عن واقع أوسع من القيود والإكراه المفروض على الفلسطينيين في الضفة، حيث تتداخل الاقتحامات والاعتقالات والتحقيقات الميدانية والاعتداءات على الممتلكات مع إجراءات تقيد حركة السكان وتفرض مزيدا من السيطرة على حياتهم وأراضيهم.
وتجاوز عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة 26 ألف حالة، فيما أعلن الاحتلال أمس أن قواته نفذت 46 ألف حالة اعتقال وتحقيق بحق فلسطينيين في الضفة خلال الفترة نفسها، وهو فارق في الأرقام يعكس اختلافا في طريقة احتساب الحالات، لكنه يؤكد في الحالتين اتساع نطاق استخدام التوقيف والتحقيق.
وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني اتخاذ الاعتقال وسيلة لمعاقبة السكان المدنيين أو إخضاعهم للضغط الجماعي، كما أن أي احتجاز يجب أن يكون فرديا ومبررا، لا إجراء جماعيا يستهدف السكان على أساس الانتماء إلى منطقة أو عائلة أو مجتمع بعينه.
ومع استمرار هذه الممارسات؛ يتحول الاعتقال من إجراء استثنائي يفترض أن تحكمه الضرورة والضمانات القانونية إلى أداة واسعة للسيطرة على السكان، بما يفاقم انتهاكات الحق في الحرية والأمان الشخصي، ويعرض المدنيين لخطر التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي.




























